حسن الأمين

161

مستدركات أعيان الشيعة

ثم قال إن انتقاد العراقيين للوزراء العراقيين لا يؤثر في الوحدة العربية ، ولكن خصام العراقيين مع أخ سوري لهم ، وجدوه جديرا بالنقد ، وحريا بالمخاصمة قد يؤثر تأثيرا كبيرا في القطر الشقيق . فليس إذن من مصلحة البلدين الشقيقين ، ولا من مصلحة رستم بك نفسه أن يتولى منصبا خطيرا ذا مسؤولية في العراق « . ولم يكن لهذه الحملات أثر كبير في أضعاف مكانة رستم حيدر ( سوى ما لا بد أن كانت تسببه له من ألم نفسي ) . فقد كان الملك وراءه ، وكانت كفاءته العالية ، وثقافته التي كانت نادرة بين زملائه العراقيين في ذلك الوقت ، ونزاهته ، واستقامته ، تجعله في موقف صلب منيع . بدليل أنه اشترك في ست وزارات أخرى خلال السنوات العشر التالية ، كما أنه شغل منصب رئيس الوزراء بالوكالة مرتين خلال غياب الرئيس عن العراق . ومع ذلك ، فان رستم حيدر خلال عمله في العراق - مدة عشرين عاما تقريبا - عانى من نقطتي ضعف في شخصيته التي كانت مستكملة صفات رجل الدولة من نزاهة وكفاءة وخبرة وذكاء وإخلاص . الأولى أصله السوري ، والثاني اتهامه بالطائفية . قال توفيق السويدي - وهو من أبرز رجال السياسة في العراق في العهد الملكي ، وقد عاصر أحداثها منذ تأسيس الدولة العراقية حتى انهيار النظام الملكي في سنة 1958 ، وكان رئيسا للوزراء ثلاث مرات - في كتاب مخطوط له بعنوان « وجوه عراقية » عن رستم حيدر أنه : « لم ينفك عن التفكير بكونه رجلا غير عراقي ، جاء إلى العراق وهو لا يعرف عنه شيئا . ولما أخذ في استقصاء أموره وجده متأخرا ، جاهلا ، ووجد نفسه منساقا إلى مجاراة السياسة الطائفية لاعتقاده أن الأكثرية ، وهم الجعفرية ، بعيدون عن الحكم . ولا أعتقد أن تأييده لهذه السياسة منبعث من شيعيته ، بل سببه أنه جاء من الخارج ، واعتقد لا بد من حساب الأغلبية ، ولكنه تسرع في أعداد العناصر اللازمة لتطبيق هذه السياسة ، فاخذ يأتي بشبان من الشيعة من المقاهي والحوانيت ، وهم متعلمون تعليما بسيطا لإدخالهم في خدمة الدولة . . . » . ( 1 ) وفي كتاب مخطوط آخر ، هو مذكرات المرحوم خير الدين العمري ، رئيس بلدية الموصل الأسبق ، جاء عن رستم حيدر ما يأتي : « . . وهو السوري - اللبناني الوحيد الذي استوزر في العراق واشترك في الهيئات التشريعية كعين ونائب . ولم يكن دخول هذا الرجل الفذ الذي ساهم في خدمة القضية العربية الشاملة ، المعترك السياسي المباشر ثقيلا على قلوب العراقيين لو لم ينحز إلى الشيعة ، ويدخل الوزارات والمجالس التشريعية كعضو شيعي ممثل للشيعة في تقسيم هذه الكراسي . ويحق للناس أن يحتاروا في التوفيق بين دخول رستم في صميم السياسة العراقية استنادا على الوحدة العربية الشاملة التي لا تفرق بين العراقي والسوري والفلسطيني وغيرهم ، وبين ظهوره بمظهر الممثل لطائفة من طوائف العراق . ( 2 ) واستفسر كاتب هذه السطور من السيد محمود صبحي الدفتري عن رأيه في رستم حيدر ، وهو من الشخصيات المرموقة التي رافقت الحياة السياسية في العراق في العهد الملكي ، وشغل وزارات ومناصب مهمة ، وكان صديقا حميما لرستم حيدر ، بل لعله كان أقرب أصدقائه وخلصائه في العراق . قال الدفتري : « كان رستم حيدر أهم وأخلص شخصية في البلاد العربية » . فسأله كاتب هذه السطور : « هل كان طائفيا حقا كما يقال عنه أحيانا ؟ » . ففكر الدفتري لحظات ، ثم قال : « نعم ، ولا » ومضى قائلا : « لم يكن رستم طائفيا بالمعنى الضيق القائم على التمييز بين أبناء البلد على أساس مذاهبهم الدينية ، أو التحيز لأبناء طائفة معينة . ولم يكن ذلك ممكنا لشخص في مثل ثقافة رستم وعقليته وخلفيته . ولكنه كان يرى أن الشيعة في العراق حرموا من فرص التعليم خلال الحكم العثماني الطويل ، وبالتالي كانوا بعيدين عن وظائف الدولة ومناصب الجيش ، واتجهوا إلى التجارة والمهن الحرة الأخرى . فلما تأسست الدولة العراقية لم يكن في الجهاز الإداري الذي ورثته عن الدولة العثمانية ، وبين الرجال الذين يمكن الاستعانة بهم للعمل في جهاز الدولة الجديدة ، من الشيعة عدد يوازي نسبتهم العددية إلى سكان البلاد ، ولذلك كان رستم حيدر يرى من الضروري تعديل هذا الوضع بصورة تدريجية . فإذا وجد شابا من الشيعة يتوسم فيه الخير ، ورأى أن لديه الكفاءة لأن يكون في المستقبل موظفا جيدا ، أو رجل دولة صالحا ، قدمه وأسنده ، وبذلك يكون قد أسهم في تصحيح الوضع من جهة ، وجمع حوله عددا من الذين يدينون له بالولاء . ولكن الكثيرين اعتبروه يعين الشيعة أو يسندهم لمجرد أنهم شيعة ، فاتهموه بالطائفية » . ( 3 ) كما أعرب عن الرأي نفسه تقريبا السيد أحمد زكي الخياط ( 4 ) الذي كان من الشبان الذين توسم فيهم رستم حيدر الخير . وقد صح تقديره ، وتقدم السيد أحمد زكي الخياط من مناصب الدولة وكان من خيرة موظفيها الكبار . وهنالك عدد كبير من الشبان الذين عني رستم حيدر باسنادهم ، وعينهم ، أو ساعد في تعيينهم بوظائف الدولة ، فتقدموا بعد ذلك ووصلوا إلى أعلى مراكزها ، مما حمل خصوم رستم على اتهامه بالطائفية ، وهو أمر يبدو بعيدا عن تفكيره ، غريبا على عقليته . ولما قتل رستم حيدر في سنة 1940 كتب أحمد حسن الزيات مقالة في « الرسالة » يرثيه فيها . وكان الزيات قد قضى سنوات في التعليم في العراق ، وكان على صلة وثيقة بكثير من رجالاته المهمين . وجاء في مقالة الزيات قوله :

--> ( 1 ) توفيق السويدي ، كتاب مخطوط بعنوان « وجوه عراقية » . ( 2 ) مذكرات خير الدين العمري ، الجزء الأول ، ص 70 ( مذكرات غير منشورة في جزءين مطبوعة على الآلة الكاتبة ، تفضل باعارتنا إياها قريبه الأستاد خيري العمري ، وتوجد نسخ منها لدى آخرين ) . ( 3 ) مقابلة مع محمود صبحي الدفتري في داره بتاريخ 5 مايس 1976 . ( 4 ) مقابلات عديدة مع أحمد زكي الخياط ، وكان مهتما بموضوع نشر مذكرات رستم حيدر ، متتبعا لسير العمل في إعدادها ، وقد أبدى لنا كثيرا من الملاحظات المهمة ، واستقصى لنا معلومات مفيدة ، ولكن الله اختاره إلى جواره قبل أن يتم نشرها .