حسن الأمين

162

مستدركات أعيان الشيعة

« . . كان من سياسة رستم الاعتماد بعد التاميز على الفرات قبل دجلة ، لأن الفرات شيعي المذهب ، وعلى ضفافه الخصيبة تنزل القبائل البدوية القوية . وفي تقويه بالشيعة حيطة من نجد ومودة لإيران . « وكان يشيح بوجهه عن مصر ، لأن هواها في ثورة الحسين على الترك كان مع الخلافة ، ولأن اشتغال طلبتها بالسياسة كان في رأيه محرضا لا ينبغي أن تسري عدواه إلى العراق . ولعله كان السياسي العراقي الوحيد الذي لا يهتم بأحوال مصر ، ولا يتصل برجال مصر . . . » . ( 1 ) ولما وصلت ( الرسالة ) إلى بغداد ، كتب الأستاذ سلمان الصفواني مقالتين في الرد على ما كتبه الزيات ، نشرهما في جريدة ( الرأي العام ) البغدادية . وجاء في رده على الفقرتين السابقتين : « . . لا ، فما كان رستم في العراق شيعيا ولا سنيا قط ، وإنما كان عربيا فحسب . وربما كان تمسكه بعروبته المطلقة من أخطائه في بلد لتلك النزعات فيه المقام الأول مع الأسف ! وبالجملة فقد كانت سياسة رستم مشتقة من سياسة فيصل الخالد ، وهي السياسة التي لا تفرق بين أبناء الأمة العربية أينما كانت أوطانهم ، وكيفما كانت عقائدهم . . » . ثم قال : « ولو كان رستم على رأي الزيات يتقوى بشيعية الفرات لكان له غير هذا الموقف السلبي من قبائل الفرات الثائرة في عام 1935 - 1936 . . . » أما أنه كان رحمه الله يشيح بوجهه عن مصر ، فذلك لأن مصر كانت يومئذ تشيح بوجهها عن العرب وتقول بالفرعونية . . . مضافا إلى أن هواها كان مع الترك في ثورة الحسين العربية . . . إلخ « . ( 2 ) أما أصله السوري فقد سبب له كثيرا من المتاعب أيضا ، بل أنه كان نقطة الضعف الرئيسية التي عانى منها طيلة حياته ، وربما قتل بسببها ، على الرغم من كل ما يتمتع به من صفات جيدة . ومع ذلك فلم يكن لمشاغبات المشاغبين والحاسدين ، وتعليقات « الاقليميين » ، أثر في زعزعة مركز رستم حيدر كما ذكرنا ، لأنه كان يتمتع بثقة الملك الكاملة ، وكانت تربطه صلات قوية من الزمالة والصداقة بمعظم رجال الحكم الذين شاركهم السراء والضراء تحت لواء فيصل قبل دخول الشام ، إضافة إلى ما كان يتمتع به من مؤهلات شخصية عالية ، ونضج سياسي وفكري . ولم يتعد الأمر أنه كانت تند عن بعضهم أحيانا عبارات أو تلميحات لا ريب في أنها كانت تؤثر فيه نفسيا ، ولكن أثرها يبقى دفينا ، ويتحملها بصبر وحكمة . روى لنا الأستاذ محمود شويلية ، سكرتير مجلس الأعيان العراقي السابق أنه صادف أن اجتمع في غرفته بالمجلس جميل المدفعي - الذي كان في ذلك الوقت رئيسا لمجلس الأعيان - ورستم حيدر الذي كان وزيرا للمالية وعضوا في مجلس الأعيان . وكان بعض النواب قد تقدموا إلى المجلس باقتراح بتمديد مدة قانون يتعلق بالحقوق التقاعدية للموظفين العراقيين الذين ظلوا في تركية ولم يعودوا إلى العراق بعد قيام الحكومة العراقية . وكان قانون التقاعد قد حدد مدة معينة لعودتهم إلى العراق واكتسابهم الجنسية العراقية ، إذا أرادوا التمتع بحقوقهم التقاعدية عن خدماتهم في العهد العثماني . فلما تأخر بعضهم عن العودة تقرر تمديد مدة القانون فترة أخرى ، ثم تكرر التمديد عدة مرات . وكان رستم حيدر ، بصفته وزيرا للمالية ، معارضا في التمديد مرة أخرى ، لمضي مدة كافية على تأسيس الحكومة العراقية ، وكان من رأيه أن من كان يرغب في العودة إلى وطنه خلال هذه المدة كان بوسعه أن يفعل ذلك ، ولا يصح تعديل القانون كلما ظهر شخص أو بضعة أشخاص ممن لهم أصدقاء أو أقارب في الحكومة ورغبوا في العودة . فالح عليه جميل المدفعي بالموافقة على التمديد الجديد بدافع العطف على بعض العراقيين الذين تأخروا طيلة هذه المدة ، ثم ندموا وقرروا العودة لغرض الحصول على رواتب تقاعدية من الحكومة العراقية . فلما رأى تصلب رستم حيدر قال له : « إنك سوري ولا تشعر بتألم العراقيين أو بالعطف على مصالحهم ! » . فتأثر رستم لهذا القول ، وأجابه : « يا جميل بك ، أننا حينما التحقنا بالثورة العربية لم نلتحق بها كسوريين أو عراقيين ، وإنما جمعتنا فكرة عربية واحدة ، ولم نفكر بكوننا سوريين وعراقيين ، ويؤسفني أن أسمع منك هذا ، وأنت أحد الرجال الذين أسهموا في تلك الثورة وأبلوا فيها بلاء حسنا . فخجل جميل المدفعي مما بدر منه من قول ، واعتذر لرستم بحرارة » . ( 3 ) وروى الأستاذ عبد الكريم الأزري عن رستم حيدر - في مقالة كتبها بمناسبة الذكرى الثانية لمقتله - كلمة تعبر تعبيرا صادقا عن حقيقة شعور رستم حيدر في العراق : « . . قال لي مرة خلال حديثه قولا لا أنساه : « بإمكان العراقيين المولودين في العراق أن يتدللوا . أما أنا فليس لي ذلك ، لأني أشعر باني يجب أن أبرر كل يوم ، بل كل ساعة ، بل كل دقيقة من وجودي في العراق بخدمة صادقة أسديها له . . . » . ( 4 ) ويقول مراقب محايد ، لم يكن طرفا . في أي موقف ، وهو الدكتور فريتز غروبا ، وزير ألمانيا المفوض في [ العراض ] العراق في عهدي فيصل وغازي في مذكراته ، وهو يتحدث عن رستم حيدر الذي كان يعرفه منذ مدة طويلة : « كان رستم حيدر على قدر عظيم من الذكاء والثقافة ، ومن أحسن الأدمغة في البلاد ، ولكن ( الذنب ) الذي كان يلصق به دائما هو أنه غير عراقي ، لأنه كان مولودا في سورية » . ( 5 ) جنسية رستم حيدر من الناحية القانونية على الرغم من اللغط الذي كان يثيره خصوم رستم حيدر متخذين من أصله السوري مأخذا عليه ، وما هو بماخذ على عربي في قطر عربي ، فان رستم حيدر كان بموجب قوانين الجنسية العراقية ، عراقيا أصيلا ، وليس « متجنسا » .

--> ( 1 ) أحمد حسن الزيات ، مقالة بعنوان « أمل وذكرى » ، مجلة 343 ، 29 يناير 1940 ص 162 . ( 2 ) سلمان الصفواني ، » رستم حيدر كما عرفته « ، جريدة ( الرأي العام ) ، بغداد ، العددان 343 و 344 ، شباط 1940 . ( 3 ) لقاء مع الأستاذ محمود شويلية في دار كاتب هذه السطور بتاريخ 1 / 1 / 1977 . ( 4 ) عبد الكريم الأزري ، « رستم حيدر » مقالة في جريدة ( البلاد ) بغداد العدد 1724 الصادر 23 كانون الثاني 1942 . ( 5 ) الدكتور فريتز غروبا ، المرجع سالف الذكر ص 175 .