حسن الأمين

16

مستدركات أعيان الشيعة

« جهان سوز » ( حارق الدنيا ) . وقال العقيد « غولد اسميث » الانكليزي إن « آقا محمد خان » قد خصي بجرح أصابه وهو يقاوم جنود « محمد خان سوادكوهي » حين جاؤوا يعتقلونه . وذكر إنكليزي آخر اسمه « تيلور طامسون » رواية أخرى في موضوع خصاء « آقا محمد خان » . وهي أنه كان قد عشق بنتا للشيخ علي خان زند وعشقته وتواصلا في الخفاء . فلما نغلب « الشيخ علي خان زند » على « محمد حسن خان » في معركة « أشرف » وقتل هذا في نهاية المعركة ، وقع ابنه « آقا محمد خان » وأمه « جيران » ، وكانا يرافقانه ، في الأسر . وأراد « الشيخ علي خان » أن يقتل أسيره انتقاما لشرفه لتعديه على ابنته . ولكن « جيران » تضرعت إليه ملتمسة عفوه عن ابنها . فأجابها بان لا مجال للعفو عمن دنس عرضه . ولكنه يوقع به أخف عقوبة توقع بمن يرتكب مثل هذا العمل وهي الخصاء . وأمر الجلاد بخصائه ففعل . ثم أطلق سراحه وأمه يذهبان حيث شاءا ( 1 ) هذه هي رواية « تيلور طامسون » . أما تفاصيل صلة « آقا محمد خان » ببنت « الشيخ علي خان زند » ، كيف كانت وأين كانت ومتى كانت ، فلا شيء عنها في التاريخ . ويقول « تيلور طامسون » إن « جيران » ، بعد قتل « محمد حسن خان » وخصاء ابنه « آقا محمد خان » ، طلبت من ابنها أن يقسم على القرآن والسيف بان لا يبقى على أحد من الزنديين ومن يتصل بهم حتى السبب السابع من القرابة ، حتى الأطفال منهم . فأقسم . وقد وفى « آقا محمد خان » بقسمه لما تملك ، فقتل « لطف علي خان » آخر ملوك الزنديين وتتبع الزنديين يستأصلهم . بل هو لم يكتف بهم فقضى أيضا على كل خدمهم من رجال ونساءهم وأبناءهم . وأنذر كل حكام إيران بان يطلعوه على كل من في مجال حكمهم من الزنديين ومن يتصل بهم حتى السبب السابع من القرابة ، وإلا فالموت جزاء من لا يطيع هذا الأمر من الحكام . وهذا الحقد الخارق العادة الذي حمله « آقا محمد خان » على الزنديين يقوي رواية « تيلور طامسون » الانكليزي . لقد سبق أن كان « نادر شاه أفشار » السبب في قتل جده « فتح علي خان أشاقة باش » . ومع ذلك لم يبلغ حقده على أعقابه ما بلغه على الزنديين . وظل هؤلاء الأعقاب يحكمون في خراسان إلى زمن « فتح علي شاه » ، إذ قضى هذا على كل حكم لهم هناك . ولو كان « علي شاه » ابن أخي « نادر شاه » هو الذي خصي هذا الرجل العنيد الحازم الحقود فهل يعقل أن يترك النادريين حكاما على خراسان ، وهو الذي بلغ من انتقامه من الزنديين أن قتل حتى خدمهم الذي يخدمون في منازلهم ؟ ! فهل يمكن أن يبقي في حكم خراسان أقارب من أوقع به محنة الخصاء ؟ ! ولو كان « آقا محمد خان » قد خصي في طفولته لفقد وسامته وشاهت خلقته . ولكنه ظل على وسامته واعتدال قامته وتناسب جسمه إلى أن بلغ عنفوان الشباب . ولما خصي ، وهو في هذه السن شاهت خلقته وعاد شكل وجهه شبيها بوجه امرأة عجوز . آقا محمد خان في طهران اعتقل عسكر « محمد خان سواد كوهي » في الخامس عشر من شعبان سنة 1175 ه‍ « آقا محمد خان قاجار » . وأرسل حاكم مازندران خبرا باعتقاله إلى « كريم خان زند » . فأرسل هذا مائة فارس من طهران حيث كان يقيم ، وعلى قيادتهم « أحمد بيك فندرسكي » ، لاحضار « آقا محمد خان » إلى طهران . فلما وصل ألقي به في السجن ، وظل مسجونا مدة أسبوع . ثم نقل من السجن إلى قرية في ضواحي طهران اسمها « كن » حيث كان يقيم « كريم خان زند » ، فادخل عليه . وأبلغه « كريم خان » أنه مفروض عليه الإقامة الجبرية في طهران ، وأن مسكنه في نفس القلعة التي يسكنها . وسمح له بالخروج منها إلى حيث شاء من المدينة على أن يرافقه جنديان دائما . ومكث « آقا محمد خان » في القلعة ثلاثة أيام لا يخرج منها . وخرج في اليوم الرابع يتجول في أنحاء المدينة . ومر في تجواله على أحد المقامات المقدسة حيث قبر أحد العلويين اسمه « زيد » . ورأى في ساحة المقام أحد العلماء يلقي درسا على طلاب . فاستمع إليه وأعجبه ما سمع من علمه ، وعزم على استئذان « كريم خان » في حضور هذا الدرس أيام انعقاده . فاذن له وأخذ يواظب على حضوره والجنديان يرافقانه دائما . وكان درس العالم ، واسمه « الشيخ علي التجريشي » ، لا يقتصر على الفقه والحديث ، بل كان يشمل أيضا الحكمة ، والفلسفة . وكان معجبا بفلسفة « ابن طفيل » أكثر من غيره . ولذلك كان « آقا محمد خان » يعرف عن « ابن طفيل » أكثر مما يعرف عن غيره من الفلاسفة . ولما وصل إلى منصب الملك كان رجال حاشيته يتملقونه بالإكثار من الحديث عن « ابن طفيل » . و « آقا محمد خان » هو وحده من بين ملوك القاجاريين كلهم من كان له اطلاع على الفلسفة . وقد قرأ كل آثار « ابن طفيل » . وكان كتاب « حي بن يقظان » لا يفارقه ويحمله معه في أسفاره . وينقل إلى رجال حاشيته أجزاء من هذا الكتاب وأخبارا من سيرة « ابن طفيل » كلما تيسر له ذلك . ثم استأذن « كريم خان » في أن يسكن في بيت مستقل خارج القلعة فاذن له . واستأجر بيتا صغيرا له وللجنديين المرافقين . وكان « كريم خان زند » يقتر عليه ، لا بخلا منه بل خوفا من أن تمكنه التوسعة عليه من الفرار ، ويمنع وصول معونة مالية إليه من ذويه في « أسترآباد » . وكان يشتري « زيتا » من دكان قريبة ليطبخ طعاما بسيطا . وكان صاحب الدكان يعطيه زيتا رديئا فنبهه إلى ذلك . فقال له صاحب الدكان إن لم يعجبك زيتي فاشتر من غيري . ولم يكن في تلك النواحي من دكان قريبة غير دكانه . فيضطر إلى قبول ما يعطيه صاحب الدكان من الزيت الرديء كارها ، وحقده عليه يتعاظم يوما بعد يوم . فلما وصل « آقا محمد خان » إلى منصب الملك أحضر صاحب الدكان هذا إليه ، وساله : هل تعرفني ؟ وكان « آقا محمد خان » قد تغير كثيرا عما كان عليه ، فلم يعرفه صاحب الدكان . فقال له « آقا محمد خان » : أنا ذلك المشتري الذي كنت ترغمه على أن يقبل زيتك الرديء . وقلت لي حين نبهتك إلى ذلك إن لم يعجبك زيتي فاشتر من غيري ، مستهينا بي لأني فقير . فلما عرف صاحب الدكان أن الذي أمامه هو ذلك المشتري القديم أخذته الرعدة ، وقال : أيها الملك العظيم لك علي أن أعيد إليك ما أخذته منك ثمنا للزيت مضاعفا ، فقال « آقا محمد خان » : لست بحاجة إلى دراهمك اليوم ،

--> ( 1 ) يرى المؤرخ الفرنسي « جان غوره » أن هذه الرواية أقرب الروايات إلى التصديق .