حسن الأمين
152
مستدركات أعيان الشيعة
ولما كانت الأسماء المركبة المقرونة ب ( محمد ) شائعة مثل : محمد علي ، محمد صادق وأمثالها ، فقد عرف في أول الأمر باسم محمد رستم على اعتبار أن رستم جزء من اسم مركب فصار رفاقه يدعونه به اختصارا حتى غلب عليه هذا الاسم واشتهر به . بدأ دراسته الأولى في بعلبك وأكمل الدراسة الثانوية في دمشق والدراسة العليا في إسطنبول بالمدرسة الملكية التي كانت تعد خريجيها للوظائف الإدارية وتخرج منها سنة 1910 فذهب في بعثة إلى باريس لمتابعة الدراسة فيها ، فكان يتابع دراسة التاريخ في ( السوربون ) ، ودراسة المالية والسياسة في معهد العلوم السياسية . وفيما يلي دراسة عن هذه الشخصية العربية الفريدة مكتوبة بقلم نجدة فتحي صفوة : محمد رستم حيدر شخصية فذة في تاريخ النهضة العربية وتاريخ العراق الحديث ، اجتمعت فيه صفات جعلته نسيج وحده بين رجالات العرب وساسة العراق . فقد كان دوره المبكر في الحركة العربية بتأسيس جمعية ( العربية الفتاة ) ، ثم التحاقه بفيصل الأول في حملته العسكرية على سورية ، ودوره في مؤتمر الصلح في باريس ، وخلال قيام الحكومة العربية السورية في عهد فيصل ، ثم في دولة العراق الحديثة ، دورا أساسيا وإيجابيا في كل فترة من هذه الفترات الثلاث من تاريخ البلاد العربية القريب . وعلى الرغم من أن حياة رستم حيدر انتهت بصورة مفاجئة ومؤلمة برصاصة مغتال أثيم وهو في منصب من أرفع مناصبه ، فإنه لم يكن رجل الدولة الوحيد الذي لقي مثل هذه النهاية المحزنة وهو في أوج نشاطه وقمة نضجه . كان رستم حيدر يوم مقتله في الحادية والخمسين من عمره ، أعزب لا زوج له ولا ولد ، يعيش بمفرده . وشيع جثمانه باحتفال مهيب و [ دفعن ] دفن في المقبرة الملكية إلى جانب فيصل الأول وغازي . وكان كل ما تركه من مال دارا صغيرة مرهونة ومبلغ 320 دينارا كانت كل ما يملك هذا الرجل الذي قضى ما يقرب من ربع قرن من الزمان في معية فيصل الأول ، ثم ابنه غازي ، وشغل طيلة تلك الفترة أعلى المناصب : رئيسا للديوان الملكي ووزيرا خطيرا في عدة وزارات ، وعضوا في مجلس النواب ، ثم في مجلس الأعيان . وكان من أهم موجهي سياسة الدولة العراقية منذ بداية نشوئها ، والمستشار الرئيسي للملك فيصل الأول ، وكاتب خطبه ، وكاتم أسراره . بداية النضال في إسطنبول أيام الدراسة التقى محمد رستم حيدر البعلبكي بشابين عربيين آخرين يدرسان فيها أيضا ، هما عوني عبد الهادي ، وهو فلسطيني من نابلس كان يدرس الحقوق ، وأحمد قدري ، وهو سوري من دمشق كان يدرس الطب . فكان ذلك بداية صداقة طويلة وزمالة في العمل السياسي والقومي استمرنا حتى نهاية حياتهم . وفي ذلك الوقت كان حزب « الاتحاد والترقي » قد تولى مقاليد الحكم في الدولة العثمانية ، وأعلن الدستور العثماني في سنة 1908 وهم في أسطنبول . وتخرج رستم حيدر في « المدرسة الملكية الشاهانية » في سنة 1910 فذهب في بعثة لإكمال دراسته العليا في باريس ، وسافر صحبة زميل عربي آخر له هو « رفيق التميمي » - وهو فلسطيني من نابلس - ولحق بهما هناك عوني عبد الهادي الذي ذهب لإكمال دراسته في الحقوق ، ثم أحمد قدري للتخصص في بعض فروع الطب . وأخذ رستم حيدر يحضر دروس التاريخ في السوربون ، والمالية والسياسة في مدرسة العلوم السياسية . ولم تنقطع صلته خلال وجوده في باريس بزميليه عوني عبد الهادي وأحمد قدري ، كما أنه كان على صلة وثيقة بغيرهما من العرب المقيمين في باريس من طلاب وغيرهم ، وإضافة إلى « جمعية العربية الفتاة » فإنه اشترك في باريس بتأسيس جمعية أخرى هي « جميعة التهذيبات العربية » وشارك في نشاطها مساهمة فعالة . وقد ذكر الدكتور محمود عزمي في مقالة كتبها في جريدة « الأهرام » [ بمناسة ] بمناسبة اغتيال رستم حيدر تضمنت بعض ذكرياته عنه حينما كان الاثنان يطلبان العلم في باريس ، ان الطلبة الشرقيين كانت تتقاسمهم جمعيات يتميز بعضها بالحصرية الجنسية ، كالجمعية المصرية ، والجمعية الإيرانية ، وجمعية الصينيين ، ويكتف بعضها الآخر الشمول الديني كجمعية الإخاء الإسلامي . وكان من المصريين من لا ينتمون إلى تلك الجمعيات ولكنهم يتوقون إلى أن تضمهم وحدة وتؤويهم جماعة مع إخوانهم العرب ، فاسسوا جمعية ثقافية أسموها « جمعية التهذيبات العربية » - ولم تكن كلمة « الثقافة » شائعة في ذلك الوقت - واتخذوا لها مقرا في قاعة خاصة من قاعات أحد مقاهي الحي اللاتيني ، وأنها ضمت بين من ضمت رستم حيدر ، وسيد كامل ، وتوفيق الصاوي ، ومنصور فهمي ، وأحمد ضيف ، وأحمد قدري ، وعوني عبد الهادي ، وتوفيق الناطور ، ومحمود عزمي . وقال الدكتور محمود عزمي : « أشهد أن الفضل كله في تأسيس تلك الجمعية ، وفيما تجلى خلال اجتماعاتها من حياة ، وماجد من بحوث - وقد استمرت تكفل العرب والعروبة علما واجتماعا وسياسة إلى اليوم - إنما يرجع لمثابرة فذين اثنين : أحدهما رستم حيدر ، وثانيهما سيد كامل . ( 1 ) أما « جمعية العربية الفتاة » التي كان رستم أحد مؤسسيها الثلاثة الأوائل ، فقد كانت جمعية سياسية سرية ، وهي غير « جمعية التهذيبات » التي كانت جمعية ثقافية وليست سياسية . جمعية العربية الفتاة كان العرب في الدولة العثمانية يعيشون في ظل الرابطة الإسلامية ، شركاء متساوين في دولة واحدة ، يجمعهم الولاء للخلافة . فلما تولى حزب « الاتحاد والترقي » مقاليد الحكم ، أخذ الاتحاديون يتحولون تدريجيا من تلك الرابطة التي انتظمت القوميات العديدة التي تتالف منها الدولة العثمانية ، وخاصة القوميتين الرئيسيتين التركية والعربية ، إلى فكرة التمييز بين العنصر التركي وغيره ، وبذلك تغيرت الدولة من كيان إسلامي ذي قوميات متعددة ، متساوية في الحقوق والواجبات ، إلى دولة تركية تضم رعايا من قوميات أخرى .
--> ( 1 ) محمود عزمي ، مقالة بعنوان « ذكريات عن رستم حيدر - المجاهد الصابر » ، « الأهرام » ، القاهرة ، 26 كانون الثاني ( يناير ) 1940 .