حسن الأمين
153
مستدركات أعيان الشيعة
وعندئذ تساءل العربي عن مكانه في هذه الدولة أين يكون ، وعن حالته ما هي ؟ أهو أشبه بالألماني أو الفرنسي أو الإيطالي في الدولة السويسرية ، أم هي أقرب إلى حالة الهندي في الإمبراطورية البريطانية ؟ ولم يقتصر هذا الشعور والتساؤل على العرب بين رعايا الدولة العثمانية وحدهم ، بل ساد أبناء القوميات الأخرى التي كانت تضمها تلك الدولة ، كالأكراد مثلا . ويقول الوزير والمؤرخ الكردي محمد أمين زكي الذي كان ضابطا لامعا في الجيش العثماني : « لما زالت كلمة ( العثماني ) من الوجود في تركية ، وحلت محلها كلمتا التركي والطوراني ، شعرت أنا أيضا بطبيعة الحال - كسائر أفراد العناصر العثمانية غير التركية - شعورا قويا بقوميتي المستقلة عن الترك » . ( 1 ) وكان في الدولة العثمانية ، وبين رجال عبد الحميد المقربين شخصيات عربية ارتقت مراتب الدولة وتدرجت في مناصبها . بينها - مثلا - عزت باشا العابد ، وأبو الهدى الصيادي ، وغيرهما . فلما خلع الاتحاديون عبد الحميد وأخذوا يهاجمون حكمه ويشهرون بمظالمه ، كان من الطبيعي أن يتناول الهجوم رجال « عهده البائد » المقربين إليه ، والذين كان يستعين بهم في تدوير أموره ويستخدمهم في توطيد حكمه ، أو قمع معارضيه . ولما كان بعض رجال عبد الحميد المهمين من العرب ، فقد أخذ غلاة الاتحاديين من قومية أولئك الرجال سبة ، ومن عروبتهم مطعنا . ويروي الدكتور أحمد قدري مثلا أنه سمع في إسطنبول ، مع زميله عوني عبد الهادي ، عقيب إعلان الدستور ، ضابطا تركيا يلقي في جمهور غفير من الناس خطابا يتغنى فيه بالدستور وحسناته ، ثم لا يلبث أن يتحامل على رجال عبد الحميد السابقين من العرب بقوله : الخائن « عرب عزت » ، والخائن « عرب أبو الهدى » ، بينما لم يندد بالأتراك الذين كانوا يخدمون عبد الحميد وهم ، بطبيعة الحال ، أكثر عددا ، وإذا فعل فلا يذكر قوميتهم أو يطعن فيها . وتساءل الشاب العثماني العربي السوري أحمد قدري : إذا كان الخطيب يندد بالرجلين لشخصهما فلما ذا يذكر اسميهما مقرونا بقوميتهما ؟ . ( 2 ) ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة من نوعها طبعا ، بل أنها كانت أنموذجا لتفكير الاتحاديين في ذلك الوقت ، وكان هذا الطراز من التفكير يظهر بوضوح في خطب رجال ذلك العهد ، وأقوال صحافته . ولا شك أن تمسك الأتراك بقوميتهم وتعصبهم لها ، وحصرهم سياستهم في إعلاء شأنها ، وتفضيلها على غيرها ، والاعتماد على أبنائهم وحدهم ، كان سببا طبيعيا لاستفزاز أبناء القوميات الأخرى التي كانت حتى ذلك الوقت تعيش متاخية مع الأتراك في ظل الخلافة العثمانية ، تجمعهم الرابطة الإسلامية . وقد أدى ذلك إلى إذكاء الشعور القومي بين رعايا الدولة من غير الأتراك ، ولما كان العرب يؤلفون أكبر نسبة بين رعايا الدولة العثمانية ، كان من الطبيعي أن تكون ردود الفعل للنعرة التي أثارها الاتحاديون أقوى بينهم منها بين غيرهم من القوميات . وقد روى الشابان العربيان أحمد قدري وعوني عبد الهادي ما شاهداه لزميلهما الثالث رستم حيدر ، وزادهم الحادث شعورا بالمرارة نحو الاتحاديين وسياستهم العنصرية ، وغيرة على أمتهم العربية وحالتها ، وتحدثوا بما يمكنهم القيام به لاعطاء عنصرهم العربي شخصيته في هذا المعترك ، فعقدوا العزم على العمل من أجل بعث روح النهوض القومي في أمتهم ، وفكروا في تأليف جمعية عربية سياسية سرية يكون اسمها « جمعية العربية الفتاة » - مقابل جمعية « تركية الفتاة » - وكان ذلك بعد إعلان الدستور العثماني بأربعة أيام فقط ، كما يروي أحدهم - أحمد قدري - في مذاكراته . ( 3 ) ولما عاد أحمد قدري إلى دمشق فاتح « عارف الشهابي » الذي كان معاونا لوالي سورية ، بفكرة الجمعية ، فوافق عليها واستحسنها ، وشجع على المضي في تحقيقها . ( 4 ) كانت « العربية الفتاة » من أوائل الجمعيات العربية السرية التي تألفت بعد إعلان الدستور العثماني ، وكان رستم حيدر أحد مؤسسيها الثلاثة الأوائل ، وبذلك كان من رواد الحركة العربية في العصر الحديث . وكان شعار الجمعية في بداية تاليفها « العمل للنهوض بالأمة العربية إلى مصاف الأمم الحية ، واغتنام الفرص لتحقيق هذه الأمنية ، وعدم الانفصال عن الترك » . على أن هذا الشعار أو البرنامج تعدل بعد إعلان الحرب فاتجهت النية إلى العمل من أجل استقلال بلاد العرب وتحريرها من الحكم العثماني . ( 5 ) وهنالك شيء من الاختلاف في تاريخ تأسيس « العربية الفتاة » . فبينما يذكر أحمد قدري أنها تأسست في إسطنبول بعد إعلان الدستور العثماني بأربعة أيام فقط ( 6 ) ، تروي الدكتورة خيرية قاسمية أن عوني عبد الهادي أكد لها في مقابلة خاصة أن فكرة الجمعية لم تتحقق إلا في باريس عام 1911 . ومن المحتمل أن تكون فكرة الجمعية ولدت في إسطنبول ، ونواتها تكونت فيها ، ولكنها « تحققت » بصورة رسمية في باريس . وقد ضمت الجمعية في البداية ، إلى جانب مؤسسيها الثلاثة ، كلا من رفيق التميمي ، ومحمد المحمصاني ، وعبد الغني العريسي ، وصبري الخوجة ، وتوفيق الناطور . ومن بين هؤلاء تألفت أول هيئة إدارية للجمعية في باريس سنة 1911 ، انضم إليهم فيما بعد جميل مردم بك ، وصبحي الحسيبي ، والأمير مصطفى الشهابي ، وتوفيق فايد . ولم يزد عدد الأعضاء حتى نهاية الحرب عن 60 عضوا كان أكثرهم من أبناء سورية الطبيعية . وفي رسالة بعث بها عبد الغنى العريسي من باريس إلى محب الدين الخطيب مؤرخة في 2 كانون الثاني ( ينابر ) 1913 وصف لمبادئ الجمعية بأنها « تحرير الأمة العربية حسب الأحوال والظروف خطوة فخطوة بكل الوسائل الشرعية وغير الشرعية » . ( 7 ) وكان من الخطط الداخلية للجمعية أن لا يعرف الداخل فيها سوى الذي أدخله ، كما كانت لها كلمات رمزية اصطلحت عليها للمكاتبات والاتصالات ، وسجلات منظمة بإدارة سكرتيرها العام محمد محمصاني .
--> ( 1 ) محمد أمين زكي ، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان ، تعريب محمد علي عوني ، القاهرة ، 1936 ( المقدمة ) . ( 2 ) الدكتور أحمد قدري ، مذكراتي عن الثورة العربية الكبرى ، دمشق ، 1956 ، ص 6 - ( 3 ) أحمد قدري ، المرجع السابق ، ص 6 - 7 . ( 4 ) أمين سعيد ، الثورة العربية العربية الكبرى ، القاهرة ، المجلد الأول ، ص 9 . ( 5 ) أحمد قدري ، المرجع سالف الذكر ، ص 6 - 7 . ( 6 ) خيرية قاسمية ، الحكومة العربية في دمشق ، القاهرة ، 1971 ، ص 20 . ( 7 ) نقلا عن سليمان موسى ، الحركة العربية ، بيروت ، 1970 ، ص 33 .