حسن الأمين

146

مستدركات أعيان الشيعة

موظفا في أحد مصانع « بادكوبا » . وكان الموظفون القيصريون يظلمون مسلمي القفقاس ويعتدون عليهم ويعاملونهم بالاذلال ، فدفعه ذلك هو وجماعة آخرون من أباة المسلمين إلى تشكيل حزب سياسي لمكافحة المستبدين المحليين والأجانب . فانشاوا سنة ( 1317 ه‍ ) ( 1900 م ) هياة باسم « اللجنة الاجتماعية الشعبية » برعاية « ناريمان ناريمان بكف » ، وأنشئوا لها فروعا في كل مدن القفقاس ، ومنها فرع في « بادكوبا » . وكان « حيدر خان عمو أوغلي » عضوا في هذا الفرع . ثم اتصل جماعة من أحرار إيران ، خصوصا آذربيجان ، بهذه اللجنة سرا ، وأنشئوا لها فرعا في تبريز . في سنة ( 1318 ه‍ ) ، عند رجوع « مظفر الدين شاه » والصدر الأعظم « الميرزا علي أصغر خان » من سفر الشاه الأول إلى أوروبا ، عرفهما بعضهم بحيدر خان ، بما هو مهندس كهرباء في « بادكوبا » ، فاستخدماه وبعثا به في تلك السنة إلى مشهد لإدارة مصنع كهرباء الإضاءة فيها . وبعد أن أقام فيها بضع سنوات غادرها إلى طهران فقضى فيها خمسة أشهر بلا عمل ، ثم استخدم في مصلحة سكة حديد شاه عبد العظيم ، ثم في مؤسسة النقليات التجارية الروسية ، ثم في إدارة كهرباء الحاج حسين آقا أمين الضرب . وكان لا يفتا في أثناء ذلك يتحرى عن أناس يهيئهم للثورة على النظام الملكي الاستبدادي والتامر لقتل رؤساء الاستبداد . واشترك بالفعل في تهيئة محاولات اغتيال بعض الرؤساء العسكريين والسياسيين وحوادث اغتيال بعض آخر . فهو الذي وضع خطة مقتل الميرزا « علي أصغر خان » ( 1 ) ومحاولة اغتيال محمد علي شاه ومحاولة اغتيال « علاء الدولة » . وبالإجمال شارك « حيدر عمو أوغلي » في جميع الحركات الثورية التي وقعت أيام الانقلاب البرلماني ( المشروطة ) ، ولم يكن يداخله أقل خوف أو تردد في الاقدام على قتل كل من خالف حركات التحرر من الاستبداد . كان « حيدر خان » يتقن اللغة الكرجية والأرمنية والروسية كاتقانه لغته الأم . وتعلم أيضا اللغة التركية والفارسية ، فأصبح يتقن خمسة ألسنة . وكان له نفوذ روحي خارق يجذب إليه كل من حادثة فياتمر بأمره . حتى إن الزعيم الشعبي البطل المشهور « ستار خان » ( 2 ) تأثر به فكان لا يفتا يردد : القول ما يقوله عمو أوغلي ! بعد أن ضرب محمد علي شاه المجلس النيابي بالمدافع في 23 جمادى الأولى سنة ( 1326 ه‍ ) ذهب « حيدر خان » إلى « بادكوبا » . وهناك أخذ يكتب مقالات باللسان الكرجي وينشرها في الصحف داعيا إلى تأييد النظام البرلماني في إيران ومحاربة معارضيه ، فاستنفر بذلك كثيرا من المتطوعين والفدائيين قدم بهم إلى إيران لمقاومة محمد علي شاه ومساعدة المجاهدين والمحصورين في تبريز . ثم لم يلبث أن أصبح من أركان الثورة في آذربيجان . وكان أعظم عمل قام به في هذه الأيام هو تدبير مقتل « شكر الله خان » الملقب ب « شجاع نظام » ( شجاع العسكر ) المرندي . وكان هذا من كبار القواد العسكريين وأشد المعارضين للنظام الديمقراطي البرلماني ومن أخلص الموالين لمحمد علي شاه . فقتله « حيدر خان » بإرسال طرد بريدي إليه وضع في داخله متفجرات ، فلما فتحه انفجرت فقتلته وقتلت أحد أبنائه . ولما قدمت القوى الشعبية الثائرة من الشمال والجنوب تهاجم العاصمة طهران واحتلتها كان لحيدر خان مشاركة في هذه الوقائع . وهو من مؤسسي « الحزب الديمقراطي الإيراني » ورئيس « منظمة الإرهاب » ، وقد وضعت مقدماتها من قبيل إعداد البرنامج وأمثال ذلك ، في تبريز ثم تشكلت في طهران . ولما قتل السيد عبد الله البهبهاني ( 3 ) زعيم « المعتدلين » في التاسع من رجب سنة ( 1328 ه‍ ) اتهم « حيدر عمو أوغلي » بأنه أحد القتلة ، فاعتقل وهو يحاول الفرار من طهران متنكرا ، فأوقف مدة شهر ثم أفرج عنه . وبعد قليل أرسله الحزب الديمقراطي بمهمة سرية إلى قبيلة بختيار . وعاد منها إلى طهران في ربيع الأول سنة ( 1329 ه‍ ) ، واضطر إلى الاختفاء . وأرسل رئيس شرطة طهران بالسر في إحدى الليالي - وكان هواه مع الحزب الديمقراطي - إلى أحد أصدقاء « حيدر خان » ، وكان هذا مختبئا في بيته ، يشير عليه بخروج « حيدر خان » سريعا من إيران لأن المراجع الحكومية المختصة وصلتها أخبار عن مكان اختبائه . فخرج متنكرا من طهران إلى مشهد ومنها إلى روسيا ومنها إلى فرنسا وسويسرا . وفي أوروبا اتصل بأعوان « لينين » . في الثامن من ربيع الأول سنة ( 1328 ه‍ ) اضطرت أسباب سياسية الزعيم الشعبي « ستار خان » الذي مر ذكره إلى الحضور إلى طهران مع رجاله فاستقبل فيها استقبالا حافلا ، وأنزل في محلة « بارك أتابك » . وكان « ستار خان » هذا يميل إلى جماعة « المعتدلين » ، والحكومة يومئذ بيد الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه « حيدر عمو أوغلي » . وقد سبق أن رد المعتدلون على قتل زعيمهم السيد عبد الله البهبهاني بقتل اثنين من كبار الديمقراطيين . وكان هذان الحادثان سببا في وقوع نزاع مسلح بين رجال الشرطة ، شرطة الديمقراطيين الحاكمين ، والمجاهدين النازلين في « بارك أتابك » رجال « ستار خان » . وقد شارك « حيدر عمو أوغلي » في هذه الحرب مع جيش الحكومة . وهكذا أقدم على محاربة « ستار خان » مع كل ما كان بينها من صداقة قديمة ومودة سابقة .

--> ( 1 ) رئيس الوزارة في عهد محمد علي شاه ، ومن أصحاب الألقاب الكبيرة . كان له دور سياسي وإداري كبير في عهد ناصر الدين شاه ومن بعده . ( 2 ) فتى أمي من عامة الشعب من أهالي تبريز . لما عطل محمد علي شاه الحياة النيابية وضرب المجلس النيابي بالمدافع بعث بجيش عدته تقرب من أربعين ألف جندي إلى تبريز لاخضاع طلاب النظام البرلماني واعتقال رؤسائهم . فكان أول من هب إلى مقاومتهم « ستار خان » هذا . فجند التبارزة وقادهم إلى المقاومة أحسن قيادة . وحاصر الجيش الحكومي المدينة وثبت « ستار خان » في المقاومة أحد عشر شهرا لم يستطع الجيش الحكومي فيها احتلال المدينة ولا رجع الجيش الشعبي عن المقاومة . وعمت شهرة « ستار خان » العالم وتردد اسمه كثيرا في الصفحات الأولى من صحف أوروبا وأميركا . ( 3 ) من رجال الدين . كان من طلاب النظام البرلماني ، ومن كبار العاملين في حركة الانقلاب البرلمانية « المشروطة » في إيران . وقد انقسم هؤلاء إلى فريقين متخاصمين ، أحدهما « الحزب الديمقراطي » ، ومنهم « حيدر عمو أوغلي » والآخر أطلق على رجاله اسم « المعتدلون » .