حسن الأمين
133
مستدركات أعيان الشيعة
إلى نظيره « . وإذا فما بين أيدينا الآن إنما هو النزر اليسير من شعر الهبل ، وكان الهبل نفسه قد مزق الكثير من أشعاره المتقدمة - أي التي أنشأها وهو في عنفوان شبابه الشعري ، كما أعدم بعض ما قاله في أخريات أيامه ، ولا شك أن فيها ما يؤسف عليه من شعره السياسي والاجتماعي ، وأن الذي دفعه إلى إعدامها ليس الاستهجان ، ولكنه الحذر ، أو الندم ، أو الخوف ، غير أن قول جامع الديوان بأنه سيلحق ما يظفر به من شعره بنظيره في الديوان يجعلنا نتساءل هل أضاف إلى ما جمعه بعد وفاة صاحبه شيئا جديدا ولا سيما وقد عاش بعده وفيا لذكراه ثمانية وثلاثين عاما ؟ ؟ وإذا كان قد ظل مع تتابع السنين يضيف ما يظفر به إلى نظيره ، فهل هناك نسخ تختلف مع اختلاف السنين وتتابع الإضافات ؟ وإذا كان » المخلافي « قد شغلته ظروفه ، وقد ابتلي وسجن ، فأين ما كان يطمع أنه سيظفر به ، ووعد بأنه سيلحقه بنظيره ؟ أسئلة ليس عندي جوابها الآن . كل ما أستطيع أن أقوله : إنه من الحرام أن يظل للهبل شعر موؤد ، وإن من سيساهم في إخراجه من قبور الإهمال سيقدم يدا للأدب اليمنى ، وها قد نشرت الموجود ، فليتفضل أدباء اليمن بالبحث عن المفقود ، إما في النسخ المتعددة إذا كان يوجد فيها ما ليس في النسختين اللتين اعتمدت عليهما ، أو في » السفن « ، والمجاميع المخطوطة في الخزائن العامة والخاصة داخل اليمن وخارجها . هذا بالنسبة للشعر الحكمي المعرب الذي قاله الهبل على طريقة امرئ القيس ، والبحتري ، والشريف الرضي ، وبقي أن أتساءل هل كان للهبل شعر « حميني » بلغة صنعاء الدارجة ؟ إنني لا أشك في أن « الهبل » « ابن صنعا » الرقيق الطبع ، الخفيف الروح ، العاشق المزاج ، قد قال شعرا حمينيا كثيرا ورائعا . أيكون من شعراء العصر الذي عاش فيه « الهندي » و « شعبان سليم » و « حيدر آغا » و « الرقيجي » وجاء بعد « ابن شرف الدين » ثم لا ينظم شعرا غنائيا حمينيا ؟ ؟ إن هذا في نظري من المستحيل . . ؟ ؟ نعم لقد نسب الدكتور محمد عبده غانم في كتابه « شعر الغناء الصنعاني » قصيدة : « يا قلبي المضني عليش ترتاب ثق بالذي للمشكلات حلا إلى الهبل ، لكن من يعرف نفس « الهبل » لا يستطيع أن يطمئن إلى أنها حقا من شعر الهبل الذي يتميز بنفس عال لا ترقى القصيدة المذكورة إلى مستواه الفني والشعري ، ولا سيما وقد ذكر الدكتور غانم نفسه أن مخطوطة الحوثي قد نسبت القصيدة إلى محمد بن أحمد حميد الدين المتوفى سنة 1217 ه ( 1802 م ) أي بعد الهبل بحوالي مائة وخمسين عاما ، وقال إن مخطوطة القاضي محمد العمري تنسب هذه القصيدة إلى قاسم عبد الرب المتوفى سنة 1216 ه ( 1801 م ) . وإذن : فأين ديوان الهبل الحميني ؟ وإذا ظلت الأسئلة تتوافد فان السؤال الكبير هو : هل يمكن أن يقول « الهبل » هذا الشعر « دو بيت » . كم أكتم لوعتي ، وكم أخفيها ؟ والدمع إذا جرى دما يبديها ! يا مالك مهجتي رويدا بشح ها مهجته لديك فانظر فيها فيبدع ويحسن جهد الإبداع والإحسان ، ثم لا يكون له في هذا الفن « الدو بيت » إلا هذه المقطوعة النادرة ؟ أما أنا فلا أستطيع أن أصدق أن مثل ذلك يكون ! وإذن . . . فأين شعر « الهبل » الدو بيت ؟ أين ما لا يزال موؤدا من شعره الحكمي ؟ وأين ديوانه الحميني ؟ وأين « الدو بيت » يا أدباء اليمن ؟ ومما ينبغي الإشارة إليه ما ورد في تقديم جامع الديوان للقصيدة « البائية » وذلك في النسخة « ف » فقد قال أنها أولى قصائد الهبل العلوية ، وأنه قد أنشدها في غرة شهر رمضان سنة 1075 هونحن نعلم أنه توفي سنة 1079 هفتكون كل قصائده العلوية والزيدية قد نظمها بعد أن جاوز السادسة والعشرين ، وفي بحر ثلاث سنوات وبضعة أشهر ، وربما فرارا من المديح الذي لم يربح منه شيئا . . . أو تذكيرا للحكام بصفات من عليهم أن يتخذوا منهم قدوة في الحكم والسلوك . وبعد فان الشاعر إنما هو شعره وهذا هو الهبل في شعره الذي لم يشغل اليمنيين شعر أي شاعر في تاريخهم الأدبي كما شغلهم ، ثم يواصل الأستاذ الشامي كلامه قائلا : ولن يفوتني - وقد فاتني الكثير مما كان علي أن أذكره - أن أشير إلى أن أول ما شاع الحديث في صنعاء عن طبع ديوان الهبل كان سنة 1357 ه ( 1939 م ) وأن الامام يحيى ورئيس وزرائه عبد الله العمري قد كلفا السيد الشاعر محمد عبد الرحمن كوكبان أن يرتبه وينقحه ويحذف منه ما يدل على « جاروديته » هكذا سمعت يومها ، ولا أدري ما صنع السيد محمد كوكبان بالديوان ؟ ولا أين نسخته ؟ التي اشتغل بها زمنا . واعلم أيضا أن زميلي الشاعر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الشامي كان قد كلف من قبل الإمام أحمد سنة 1376 ه ( 1956 م ) أن يقوم بنفس العمل ، وكان قد راجعني في مسائل لا أذكرها الآن عندما كنا نلتقي في « صنعاء » أو « القاهرة » ، ولا شك في أنه قد قطع شوطا في عمله ، ولو أن ما عمله هذان الأديبان الكبيران قد وصل إلى يدي لأغناني عن التعب المضني الذي قاسيته خلال تنقيحي لهذا الديوان ، ورغم حرصي على معرفة ما عملاه لم أوفق ، ولا أدري أين ذلك الجهد الذي صرفا فيه سواد وبياض سنوات . نسخة الديوان المعتمدة ويقول الأستاذ الشامي : كنت قد نسخت ديوان الهبل في سنة 1360 ه ( 1942 م ) على إحدى النسخ القديمة المضبوطة المصححة ثم قرأتها مع زميلي الأخ الأديب الشاعر عبد الرحمن عبد الصمد وقابلتها على نسخة قديمة كانت في حوزته ، وقد ضاعت مع ما ضاع من كتبي عندما انتهبت القبائل « صنعاء » في شهر جمادى الأولى سنة 1367 ه ( آذار 1948 م ) وأثر فشل ثورة الدستور . وطال أمد الفراق بيني وبين ديوان الهبل حوالي سبعة عشر عاما لا ألتقي بصاحبه إلا عندما أسمع شعره يتلى أو ينشد ، أو أقرؤه في المجاميع والمخطوطات اليمنية ، أو حين أترنم بما أحفظه منه إذا ألم بي هم ، أو طفح كيل الأسى . وفي سنة 1383 ه ( 1964 م ) التقيت في جدة بالسيد محسن بن أحمد أبو طالب فاهداني نسخة قديمة من ديوان الهبل كان قد أنقدها - مع