حسن الأمين

123

مستدركات أعيان الشيعة

طريقة قراءة الكتابات لاستنباط التواريخ منها ، فقد سبقه غيره في هذه القراءات ، وكانوا مثله يبغون الوقوف على ما جاء فيها ، ومعرفة تواريخها . وقد أشار ( الهمداني ) نفسه إليهم وذكرهم بأسمائهم ، مثل ( أحمد بن الأغر الشهابي من كندة ) و ( محمد ابن أحمد الأوساني ) و ( مسلمة بن يوسف بن مسلمة الخيواني ) وغيرهم . فهم مثله يستحقون الثناء والتقدير أيضا ، وهم بطريقتهم هذه في جمع مادة التاريخ يكونون على شاكلة الآثاريين المحدثين في إدراك أهمية دراسات الآثار والكتابات بالنسبة إلى اكتشاف تواريخ العاديات ، وهم بطريقتهم هذه يكونون قد فاقوا غيرهم من المؤرخين العرب في الأمكنة الأخرى بهذه الطريقة ، فقلما نجد مؤرخين في الأماكن الأخرى لجئوا إلى دراسة الآثار ودراسة الكتابات ووصف الأمكنة الآثارية لاستنباط التواريخ منها كما يفعل الآثاريون في الزمن الحاضر . وبعد أن أورد ثناء الهمداني على شيخه وأستاذه « أبي نصر الحنبصي » ، وذكر أن الأسماء اليمانية القديمة كانت ثقلت على ألسنة الناس في أيامه وقبلها وإن في ذلك دلالة على حدوث تغير في عقلية أهل اليمن بعد الميلاد وعلى حصول تقارب بين لهجتهم وبقية لهجات العرب في الشمال قال : ( ص : 96 ) : عن أبي نصر هذا : أما علمه بالمساند ومدى وقوفه عليها ، فانا اعتقد أن علمه بها لا يختلف عن علم غيره من أهل اليمن : وقوف على الحروف ، وتمكن من قراءة الكلمات ، وإحاطة عامة بالمسند . أما فهم النصوص واستنباط معانيها بوجه صحيح دقيق ، فأرى أنه لم يكن ذا قدرة في ذلك ، وهو عندي في هذا الباب مثل غيره من قراء الخط الحميري . ودليل على ذلك أن القراءات المنسوبة إليهم هي قراءات لا يمكن أن تكون قراءات لنصوص جاهلية ، وإن تضمنت بعض أسماء يمانية قديمة ، لسبب بسيط ، هو أن أساليبها ومعانيها ونسقها لا تتفق أبدا مع الأساليب والمعاني المألوفة في الكتابات الجاهلية ، فقراءات أبي نصر وأمثاله قراءات بعيدة جدا عن النصوص المعهودة ، هي قراءات إسلامية فيها زهد وتصوف وتوحيد وحض على الابتعاد عن الدنيا . أما نصوص المسند التي عثر عليها حتى الآن ، فإنها نصوص وثنية لا تعرف هذه المعاني ، وأسلوبها في الكتابة لا يتفق مع ذلك الأسلوب . وهي في أمور أخرى شخصية أو حكومية لا صلة لها بمثل هذه الآراء والمعتقدات . ثم قال ( ص : 97 - 98 ) : ولكنني لا أريد هنا أن أكتفي بتقديم التقدير إلى الهمداني وإلى الباقين من علماء اليمن الذين سبقوه أو جاؤوا من بعده والثناء على طريقتهم المذكورة ، بل لا بد لي من التحدث عن درجة علم هؤلاء العلماء بالمسند ، وبقراءة الكتابات وبعلمهم بمعانيها ، أي علمهم بقواعد وأصول اللهجات التي كتبت بها مثل اللهجة المعينية أو السبئية أو القتبانية أو الحضرمية وغيرها من بقية اللهجات ، وذلك ليكون كلامنا كلاما علميا صادرا عن درس ونقد وفهم بعلم أولئك العلماء بتاريخ اليمن القديم . ولن يكون مثل هذا الحكم ممكنا إلا بالرجوع إلى مؤلفات ( الهمداني ) وغيره من علماء اليمن لدراستها دراسة نقد عميقة . ومقابلة ما ورد فيها من قراءات للنصوص مع قراءات العلماء المحدثين المتخصصين بالعربيات الجنوبية لتلك النصوص إن كانت أصولها أو صورها موجودة محفوظة ، وعندئذ يمكن الحكم حكما علميا سليما على مقدار علم أولئك العلماء بلغات اليمن القديمة وبتاريخها المندرس . ولكننا ويا للأسف لا نملك كل أجزاء كتاب ( الإكليل ) ولا كل مؤلفات الهمداني أو غيره من علماء اليمن ، فالجزء السابع من الإكليل مثلا وهو جزء خصص بأمثال حمير وبحكمها باللسان الحميري وبحروف المسند ، هو جزء ما زال مختفيا ، فلم نر وجهه ، وهو كما يظهر من وصف محتوياته مهم بالنسبة إلينا ، وقد يكون دليلا ومرشدا لنا في إصدار حكم على علم الهمداني بلغة حمير . ولكن ما ذا نصنع ونفعل ، وقد حرمنا رؤية هذا الجزء ، وليس في مقدورنا نشره وبعثه ، فهل نسكت ونجلس انتظارا للمستقبل ، عسى أن يبعث إلى عالم الوجود ؟ هذا ، وقد طبع الجزء الثامن من الإكليل وكذلك الجزء العاشر منه ، فاستفاد منهما المولعون بتاريخ اليمن القديم وبتاريخ بقية أجزاء العربية الجنوبية ، وطبع الجزء الأول من هذا الكتاب حديثا برواية ( محمد بن نشوان بن سعيد الحميري ) ، وقد ذكر أنه اختصر شيئا في مواضع الاختلاف وفي النسب مما ليس له شان في نظره دون أن يؤثر على الكتاب . وطبع الجزء الثاني من الإكليل أيضا ، أخرجه ناشر الجزء الأول : « محمد بن علي الأكوع الحوالي » من عهد غير بعيد ، وليس لنا الآن إلا أن نرجو نشر الأجزاء الباقية من هذا الكتاب ، ليكون في وسعنا الحكم على ما جاء فيه من أخبار عن أهل اليمن الجاهليين . إن أقصى ما نستطيع في الزمن الحاضر فعله وعمله لتكوين رأي تقريبي تخميني من علم الهمداني وعلم بقية علماء اليمن بلهجات أهل اليمن القديمة وبتاريخهم القديم ، هو أن نرجع إلى المتيسر المطبوع من مؤلفاتهم ، لدراسته دراسة نقد علمية عميقة ، لاستخراج هذا الرأي منها . وهو وإن كان أقل من الضائع بكثير ، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله ، والموجود خير من المعدوم ، وفي استطاعته تقديم هذا الرأي التخميني التقريبي . فلنبحث إذن في هذا المطبوع لنرى ما جاء فيه . أما بخصوص الخط المسند ، فقد ذكر « الهمداني » أن جماعة من العلماء في أيامه كانت تقرأ المسند ، غير أن أولئك العلماء كانوا يختلفون فيما بينهم في القراءة ، وكان سبب ذلك - على رأيه - اختلاف صور الحروف ، ( لأنه ربما كان للحرف أربع صور وخمس ، ويكون الذي يقرأ لا يعرف إلا صورة واحدة ) ، وقد عرف ( الهمداني ) أن كتاب المسند كانوا يفصلون بين كل كلمة وكلمة في السطر بخط قائم ، وذكر أنهم كانوا يقرؤن كل سطر بخط . غير أنه لم يذكر عدد الحروف . وصرح أنهم « كانوا يطرحون الألف إذا كانت بوسط الحرف ، مثل ألف همدان وألف رئام ، فيكتبون رئم وهمدن ، ويثبتون ضمة آخر الحرف وواو عليهمو » . وهي ملاحظات تدل على إحاطة عامة بالمسند ، سوى ما ذكره من أنه ربما كان للحرف أربع صور وخمس ، ويظهر أنه وغيره قد توصلوا إلى هذا الرأي من اختلاف أيدي الكتاب في رسم الحروف ونقرها على الحجر ، كالذي يحدث عندنا من تباين الخطوط باختلاف خطوط كتبته ، فادى تباين الخط هذا إلى اختلافهم في القراءة ، وإلى ذهابهم إلى هذا الرأي ، أو أنهم اختلفوا فيها من جراء تشابه بعض الحروف مثل حرف الهاء والحاء ، فان هذين الحرفين متشابهان في الشكل ، فكلاهما على هيئة كأس يرتكز على رجل ، والفرق بينهما ، هو في وجود خط عمودي في وسط الكأس هو امتداد لرجل الكأس ، وذلك في حرف ( الحاء ) ، أما الهاء ، فلا يوجد فيه هذا الخط الذي يقسم باطن الكأس إلى نصفين . ويشبه