حسن الأمين
124
مستدركات أعيان الشيعة
حرف ( الحاء ) حرف ( الهاء ) في رسم رأس الكأس ، ولكنه يختلف عنه في القاعدة ، إذ يرتكز هذا الرأس على قاعدة ليست خطا مستقيما ، بل على قاعدة تشبه كرسي الجلوس ذي الظهر . ومثل التشابه بين حرفي الصاد والسين ، فكلاهما على هيئة كأس وضعت وضعا مقلوبا ، بحيث صارت القاعدة التي ترتكز الكأس عليها إلى أعلى . أما الرأس ، وهو باطن الكأس ، فقد وضع في اتجاه الأرض . ولكن قاعدة ( الصاد ) هي على هيئة رقم خمسة في عربيتنا ، أي على هيئة دائرة أو كرة بينما قاعدة حرف السين هي خط مستقيم ، أما باطن كأس حرف ( الصاد ) ، ففيه خط يقسمه إلى قسمين وذلك في الغالب ، وقد يهمل هذا الخط المقسم ، أما حرف السين ، فلا يوجد فيه هذا الخط . « ص : 99 » . ثم قال في ص : 100 ما يلي : ومما يؤسف عليه كثيرا إننا لا نملك النسخ الأصلية التي كتبها أولئك العلماء بخط أيديهم ، حتى نرى رسمهم لحروف المسند . فان الصور المرسومة في المخطوطات الموجودة وفي النسخ المطبوعة ، ليست من خط المؤلفين ، بل من خط النساخ ، فلا استبعد وقوع المسخ في صور حروف المسند في أثناء النقل ، ولا سيما إذا تعددت أيدي النساخ بنسخ أحدهم عن ناسخ آخر . وهكذا ، فليس للنساخ علم بالمسند ، ولذا لا استبعد وقوعهم في الخطا . ومن هنا فان من غير الممكن إصدار رأي في مقدار إتقان الهمداني وبقية العلماء لرسم حروف الخط المسند . وقد أشار « الدكتور كرنكو » إلى هذه الحقيقة ، إذ ذكر أن صور الحروف الحميرية في « الإكليل » تختلف باختلاف النسخ اختلافا كبيرا ، فقد صور كل ناسخ تلك الحروف على رغبته وعلى قدرته على محاكاة النقوش ، ومن هنا تباينت وتعددت ، فاضاعت علينا الصور الأصلية التي رسمها الهمداني لتلك الحروف . وتابع كلامه قائلا ( ص 101 - 102 ) : وخلاصة ما توصلت إليه من دراستي الاجمالية للاجزاء المطبوعة من مؤلفات « الهمداني » أن الهمداني ، وإن كان يحسن قراءة حروف المسند ، ويعرف القواعد المتعلقة بالخط الحميري ، إلا أنه لم يكن ملما بالسنة المسند . ولم يتمكن من ترجمة النصوص التي نقلها ترجمة صحيحة ، ولم يعرف على ما يتبين منها كذلك ما كان قد ورد فيها وما قصد منها ، فجعل ( تالبا ) ، وهو اسم آله من آلة اليمن المشهورة ، ومعبود قبيلة ( همدان ) الرئيس ، اسم رجل من رجال الأسرة المالكة لهمدان . وجعل ( رياما ) ، وهو اسم مكان من الأمكنة المشهورة ، وكان به معبد معروف للآله ( تالب ) ، ابنا من أبناء ( نهفان ) ، ومن أبناء ( تالب ) . ولم يبخل الهمداني عليه ، فوهب له أما قال لها : ( ترعة بنت بازل بن شرحبيل بن سار بن أبي شرح يحضب بن الصوار ) . ويظهر على كل حال أن قراء المسند ( وقد قلت إنهم يحسنون في أيام الهمداني قراءة حروف المسند ) لم يكونوا على اطلاع بقواعد الحميرية ، ولا باللسان الحميري ، أو الألسنة العربية الجنوبية الأخرى . خذ مثلا على ذلك : ( بن ) وهي حرف جر عند العرب الجنوبيين ، وتعني ( من ) و ( عن ) بلغتنا قد أوقعتهم هذه الكلمة في مشكلات خطيرة . فقد تصور القوم عند قراءتهم لها ، أنها تعني أبدا ( ابنا ) على نحو ما يفهم من هذه الكلمة في لغتنا . وفسروها بهذا التفسير . ففسروا ( بن بتع ) أو ( بن همدان ) وما شابه ذلك ( ابن بتع ) أو ( ابن همدان ) ، والمقصود من الجملتين هو ( من بتع ) و ( من همدان ) ، وبذلك تغير المعنى تماما ، ومن هنا وقع القوم - على ما أعتقد - في أغلاط حين حسبوا أسماء القبائل وأسماء الأماكن الواردة قبل ( بن ) وبعده ، أسماء أشخاص وأعيان ، وأدخلوها في مشجرات الأنساب . فاقتصار علمهم على الأبجدية وجهلهم باللغة ، أوقعهم في مشكلات كثيرة ، وسبب ظهور هذا الخلط . وجاء الهمداني بنصوص آخر ذكر أنها كانت مكتوبة بالحميرية ، مثل النص الذي زعم أن مسلمة بن يوسف بن مسلمة الخيواني قرأه على حجر في مسجد خيوان ، وهذا نصه : ( شرح ما ، وأخوه ما ، وبنوه ما ، قيول شهر ان بنو هجر ، هم معتة بدار القلعة ) . وأمثال ذلك من النصوص . ولا أعتقد أنك ستقول : إن هذا نص حميري ، ولا يسع امرأ له إلمام بالحميرية أن يوافق على وجود مثل هذه العائلة عائلة ما ، أو يسلم بان هذه قراءة صحيحة لنص حميري . بل لا بد من وجود أخطاء في القراءة وفي التفسير . ولا أريد أن أتجاوز على رجل مشى إلى ربه ، فلعله كان يحسن قراءة بعض الحروف والكلمات ، ويتصور أنه أحسن قراءة النص كله وفهمه ، فجاء بهذه العبارة ، وعلى كل ، إن كل الذي جاء في النصوص التي وقفت عليها في كتب الهمداني لا يمكن أن يعطي غير هذا الانطباع ، ولعلنا سنغير رأينا في المستقبل إذا تهيأت لنا نصوص من شأنها أن تغيره . ثم يقول ناقدا ( ص 103 - 104 - 105 ) : ويأتي ( الهمداني ) أحيانا بأبيات شعر زاعما أنها من المسند . ففي أثناء كلامه مثلا على قصر ( شحرار ) قال : وفي بعض مساند هذا البنيان بحرف المسند : شحرار قصر العلا المنيف أسسه تبع ينوف يسكنه القيل ذي معاهر تخر قدامه الأنوف أما نحن ، فلم نعثر حتى اليوم على أية كتابة بالمسند ، ورد فيها شعر ، لا بيت واحد ولا أكثر من بيت . وأما متن البيتين المذكورين ، فليس حميريا ولا سبئيا ولا معينيا وليس هو بآية لهجة يمانية أخرى قديمة ، وأنما هو بعربيتنا هذه ، أي بالعربية التي نزل بها القرآن الكريم ، نظمه من نظمه من المحدثين بهذه اللغة البعيدة عن لغات أهل اليمن . أما الباب الذي عقده في الجزء الثامن بعنوان : ( باب القبوريات ) ، فقد استمد مادته من روايات وأخبار ( هشام بن محمد بن السائب الكلبي ) ، و ( ابن لهيعة ) و ( موهبة بن الدعام ) من همدان و ( أبي نصر ) و ( وهب بن منبه ) و ( كعب الأحبار ) و ( عبد الله بن سلام ) . وقد أورد فيه نصوصا زعم أنها ترجمات لنصوص المسند ، عثر عليها في القبور عند الأحداث . وأورد بعضها شعرا ، زعم أنه مما وجد في تلك القبور ، كالذي ذكره عند حديثه عن قبر ( مرشد بن شداد ) ، وعن قبرين جاهليين عثر عليها ب ( الجند ) وقد نص على أن الشعر المذكور كان مكتوبا بالمسند وقد دونه . وهو وكل الأشعار الأخرى ومنها المراثي منظوم بعربية القرآن . وأما النثر ، فإنه بهذه العربية أيضا ، وهو في الزهد والموعظة والندم والحث على ترك الدنيا ، فكان أصحاب القبور ، من الوعاظ المتصوفين الزهاد ، ماتوا ليعظوا