حسن الأمين

122

مستدركات أعيان الشيعة

دعاة دعا من رأس « تلفم » ناعيا : إلا رحم الرحمن سلم بن صعصعا ! وجاوبه من رأس « ناعط » هاتف فرن له الطودان صوتا ورجعا وله : عمرتم بمهدي على الأمن سرقة وبيتم همدان ، وابن حزام ثلاثة أبطال تريك وجوههم إذ أسفرت ما تحت كل ظلام ! وله يمدح المسلم بن عباد بن عبد الله الخولاني الأكيلي : إلى امرئ نصبت قحطان رايتها بالكف منه ورأس العز منكوس ، فقام فيها مقاما لا يقوم به عمرو بن هند ، ولا هند وقابوس مكلم بخماشات الحروب له ، كأنه زلم بالعجم مضروس مبرا ليس فيه للعيوب إذا ما عيب عيب ، ولا في العرض تدنيس ينمي به فوق « خولان » ويرفعه عليهم حسب في الدهر قدموس وكل ساع إذا يسعى لهمته فقد يساعده في سعيه البوس ولم يزل في « أكيل » من أبوته نافي المذلة عن خولان عتريس حجر ، وحجر ، وعمرو ، كلهم رأسوا حيي قضاعة ما في القوم مرموس تلقاك منهم وجوه إن نزلت بهم مثل الأهلة ما فيهن تعبيس سجية لا يزال العسر بنبتها والطبع قبل اكتساب العقل ماسوس يوصي أكابرهم منهم أصاغرهم بسورة المجد ، أن المجد محروس حماهم ، وحماه عند دعوته من « مغرق » صنوه والفتية الشوس وكل تلعاء تعلو كف ملجمها ومخطف ، خطوة دفق وتكديس مشرف الهاد يرتاح الندي له فبالأكف له مسح وتحسيس وله يستغيث من السجن بزيد بن أبي العباس : يا زيد زيد الخير يا ابن محمد ما كنت لاسمك إذ عرفت بناسي بل كنت أول من هتفت به إلى إحياء نفسي ساعة الإبلاس فابدر إلى نقذ الغريق فإنه ألا تحث يعوم عوم الغاسي وليلحقني منك بعدة مالك في جاره المزني ، أو جساس واطلب بطايلتي طلاب مهلهل ، وزهير عبس ثاره في شاس وقال من مرثية طويلة في زيد هذا : لا رمت يعرب بسهم شديد بعد زيد أخي الفعال الحميد خير « خولان » بل « قضاعة » ، بل « حمير » بل « قحطن » الشريف بن « هود » فانعياه بكل ملك عظيم يرحم الله خير ميت ومودى عقمت بعد هلكه رحم الأرض فليست لمثله بولود من أقوال العلماء فيه يقول « ابن فهد » في الدر الكمين ! « لم يولد في اليمن مثله علما وفهما ولسانا وشعرا ، ورواية وذكرا ، وإحاطة بعلوم العرب من النحو واللغة والغريب والشعر والأيام والأنساب والسير والأخبار ، والمناقب والمثالب ، مع علوم العجم من النجوم والمساحة والهندسة والاستنباطات الفلسفية والأحكام الفلكية » . وقال القفطي في « أنبأه الرواة » : « الأديب النحوي الطبيب المنجم الاخباري اللغوي ، نادرة زمانه ، وفاضل أوانه ، الكبير القدر ، الرفيع الذكر ، صاحب الكتب الجليلة ، والمؤلفات الجميلة ، لو قال قائل : أنه لم يخرج اليمن مثله لم يزل ، لأن المنجم من أهلها لا خطر له في الطب ، والطبيب لا يدله في الفقه ، والفقيه لا يدله في علم العربية ، وأيام العرب وأنسابها وأشعارها وهو قد جمع هذه الأنواع . وقال صاعد الأندلسي في كتاب « طبقات الأمم » عن العرب : « وأما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله منه شيئا ، ولا هيا طباعهم للعناية به ، ولا أعلم أحدا من صميم العرب شهر به إلا أبا يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي ، وأبا محمد الحسن بن أحمد الهمداني » . الهمداني وخط المسند هل كان يعرف الكتابة الحميرية ، وخط المسند ؟ أما القدماء فلا يشكون في ذلك « وله - كما قال الأستاذ حمد الجاسر - أهمية عظيمة عند علماء اللغات والمنقبين عن الآثار القديمة لذكره في كتبه الكتابات العتيقة بالخط المسند الحميري ، ونقوش الأحجار كما يفعل علماء أوروبا الباحثون عن الآثار القديمة » . « وقراءة النصوص التي أوردها في » الإكليل « تدل على معرفته التامة » . ( مقدمة صفة جزيرة العرب ) . وقد كان يقرأ الخط المسند قراءة عربية فصيحة ولا تربكه المصطلحات من علامات التعريف والتنكير والتأنيث والتذكير والأفراد والجمع وهي حروف يلصقونها بالكلمات فيظن من لا خبرة له ولا معرفة بقواعد خط المسند أن تلك العلامات تنطق ، أو أن حذف بعض الحروف من بعض الكلمات يستلزم عدم نطقها ، فيذهب بهم الجهل والوهم إلى أن لغة اليمن قديما لم تكن عربية فصيحة ، وإنها تختلف اختلافا كبيرا عن لغة شمال الجزيرة ونجد والحجاز وذلك ما وقع فيه بعض « المستشرفين » وجر الدكتور طه حسين إلى القول بان اللغة التي كان اليمنيون قبل الإسلام يتكلمون بها لم تكن العربية ، وقد ناقشت هذا الموضوع باسهاب في كتابي « قصة الأدب في اليمن » ، وأثبت بما لا يقبل الشك أن لغة اليمنيين كانت هي العربية التي نزل بها القرآن الكريم ، وإن رسم الخط الذي يسمونه « المسند » هو الذي يسبب الإرباك لمن لا يدري تلك القواعد وإنهم كانوا يكتبون ما لا ينطقون من حروف ، ويحذفون ما لا يهملون النطق به ، كما نقرأ نحن « ألم » ألف لام ميم ، ونكتب « الرحمن » وننطقها الرحمن « ونحو ذلك وقد نبه الهمداني نفسه إلى ذلك في أكثر من مكان من كتابه » الإكليل « . ويقول إغناطوس كراتشوفسكي ، في كتابه « تاريخ الأدب الجغرافي العربي » : « ومما يدعو إلى الدهشة حقا أن الهمداني استطاع فك رموز الكتابة العربية القديمة في جنوب الجزيرة » وللدكتور جواد علي رأي في الموضوع . يقول الدكتور جواد علي ( ص : 91 ) : لقد بذل الهمداني مجهودا يقدر في تأليف كتبه وفي اختيار موضوعاته ، وسلك في بحوثه سبيلا حسنا بذهابه بنفسه إلى الأماكن الآثارية وبوصفه لها في كتبه ، فأعطانا بذلك صورا لكثير من العاديات التي ذهب أثرها واختفى رسمها ، بل طمست حتى أسماء بعضها . وبمحاولته قراءة المسند وترجمته إلى عربيتنا ، للوقوف على معناها ومضمونها . يكون قد استحق التقدير والثناء ، لأن عمله هذا يدل على إدراكه لأهمية الكتابات في استنباط التواريخ . على أننا يجب أن نذكر أيضا أن الهمداني لم يكن أول من عمد إلى هذه الطريقة ،