حسن الأمين
116
مستدركات أعيان الشيعة
وذكر هناك أن بعض المعاصرين ذكره في علماء الشيعة وقال إنه سجن لأجل تشيعه . ثم يقول في الأعيان وهو [ بذكر ] يذكر ما أصابه من السجن : أنه هاجى شعراء صعدة فنسبوه إلى أنه هجا النبي ( ص ) فسجن . يقول في الأعيان : « إن الهجو المزعوم لا يمكن أن يصدر ممن يتظاهر بالإسلام ، ولكن المظنون أنهم التمسوا لحبسه عذرا من هذا النوع كما هي العادة في التحامل على شيعة أهل البيت وربما يؤيد ذلك وصف الخزرجي له بالإحاطة بالمناقب والمثالب ، فان المثالب يغلب استعمالها في مثالب أعداء أهل البيت والمناقب في مناقبهم » . وفي الدراسة التالية التي كتبها الكاتب اليماني الزيدي الأستاذ أحمد الشامي يثبت تشيعه . قال الأستاذ الشامي : كان الهمداني مؤرخا شاعرا نسابة فيلسوفا نحويا محدثا رحالة ، وهو إلى ذلك سياسي ، وما بين أيدينا من آثاره شعرا ونثرا يعرب عن علم جم ، ومعارف واسعة ، وتبحر في الرواية ، وبصيرة في الدراية ، وما ضاع منها أو ما لا يزال مفقودا - وهو الكثير بينها ديوان شعره في ستة مجلدات يخول لنا القول بأنها لو وصلت إلينا - أو لو اكتشفناها - لازدادت معارف الناس عن اليمن وتاريخها و [ آدبها ] آدابها ، وأزددنا إجلالا لذلك العلم الشامخ لذي أطلق عليه الأوائل والأواخر بجدارة لا تمارى « لسان اليمن » . وقد ذاع صيت الهمداني وانتشر ذكره في أنحاء العالم الإسلامي أيام حياته وبعد وفاته ، لأنه كان ذا نشاط جاد ، يواصل ويراسل علماء وأدباء الحجاز والشام والعراق ، وكان كثير الأسفار والتجوال ، وكان بمزاجه العلمي ، وذوقه الأدبي ، وحسه الشاعر يسجل كلما يراه أو يقرؤه أو يسمعه ولذلك ظهرت كتبه وكأنه يؤلفها للمسلمين في كل زمان ومكان ، وليس لأبناء قومه من اليمنيين فقط ، وإن كان قد وهب قلبه ، وحسه ، وعلمه لوطنه وقومه وإلى حد يراه بعض النقاد والمؤرخين من القدامى والمحدثين أنه قد أفضى به إلى التعصب الأعمى ، والعنصرية المشينة ! نشأته ومذهبه يكاد المحققون من المؤرخين أن يجمعوا على أنه قد ولد في أوائل عام ( 280 ه ) ( 894 م ) وهي من الفترات الرهيبة في تاريخ اليمن والجزيرة العربية حين بدأ الحكم العباسي يتضعضع ، وتشعبت الملل والنحل ، ! وإنها لصدفة عجيبة لا يغفلها « الفلكيون » القدامي - وقد كان الهمداني منهم - أن تكون ولادته في نفس السنة التي خرج فيها الإمام الهادي يحيى بن الحسين خرجته الأولى إلى اليمن ، ثم انقلب راجعا إلى الحجاز واكتسحت الفتن اليمن ، وغادرها والي صنعاء من قبل العباسيين ، وظلت نهبا بين « القرامطة » و « الدعام » و « بني يعفر » وغيرهم حتى عاد الهادي من جديد وكتب إليه صاحب صنعاء « أبو العتاهية » ليستقدمه ، ودخلها سنة ( 288 ه ) . و « الهمداني » يشاهد كل ذلك بعقله الواعي ، وشبابه المتحفز وفطرته السليمة . وتهيئ منه الأقدار شخصا سيلعب دورا كبيرا في احداث فترته وتاريخها ويتحمل من بؤسها ونعيمها ، وخيرها وشرها ، ما لا يتحمله إلا المحظوظون من نوابغ البشر . وقد ثابر الشاب الهمداني في « صنعاء » على دراسة العلم وكسب المعارف لم يشغله عن ذلك شاغل وكان ذا لاقطة حافظة ، وذاكرة واعية ، سجلت معظم ما شاهده أو سمعه من أحداث صباه ، ومنها كارثة القحط التي حلت باليمن سنة : ( 290 ه ) ( 903 م ) وهو لا يزال في العاشرة فقد ذكرها في الكتاب العاشر من « الإكليل » فقال وهو يتحدث عن أنساب آل أبي حبش : « فنوا جميعا في حطمة التسعين ومائتين باليمن وذلك أن ما لهم فني ، ورقت وجوههم من المسألة فاعتفدوا ، وأوصدوا عليهم وعلى أهاليهم وعيالهم أبوابهم فماتوا رحمهم الله ، فلم يبق منهم أحد سوى طفلة درجت من خلل بين حجرين فأخذها بعض بني الأزهر بن عبد الرحمن فرشحت عندهم وزوجت فيهم ، وسوى رجل كان نازحا عنهم » . ص 200 - 201 : 10 - تحقيق الخطيب وقال يحيى بن الحسين في « غاية الأماني » ص 190 : « وفي هذه السنة ( 290 ه ) اشتد القحط في اليمن حتى أكل الناس بعضهم بعضا ومات خلق كثير وخرجت عدة قرى » ثم ذكر حادثة اعتفاد آل أبي حبش ( أو جيش ) وأسندها إلى « الهمداني » ونحن نعلم أن الإكليل من آخر تأليف لسان اليمن بعد عام ( 331 ه ) فهو قد ألفه بعد الحادثة بأكثر من أربعين عاما ولولا أنه قد سجلها لما علمها ولا أشار إليها أحد من المؤرخين . فيما عدا مؤلف سيرة الهادي . وتوفي الهادي عام ( 298 ه ) والهمداني في عنفوان شبابه يزحف إلى العشرين ولا شك لدي أنه قد حضر مجالسه وأخذ عنه وعرف طبيعة الصراع بينه وبين بقية المشايخ والسلاطين وميز بين الخير والشر ، والحق والباطل ، ( 1 ) وفي أيامه سنة ( 306 ه ) ذهب إلى مكة المكرمة للحج وجاور فيها مدة وكتب صدرا من الحديث والفقه وتعرف على الكثير من علماء الحجاز والشام والعراق ولما عاد إلى « صعدة » ظل يكاتبهم . . . ويراسلهم وذكر القفطي وغيره أنه قد رحل إلى « بغداد » و « الكوفة » ( وهذا بعيد ) ، وأنه قد اختلف مرارا بين « صعدة » و « مكة » وقد اختار « صعدة » له سكنا وظل فيها كما يقول عشرين حولا لأن حكامها أمثال « الهادي » و « المرتضى » و « الناصر » كانوا أقرب إلى روحه وطبيعته اليمنية المستقلة ، وإلى مذهبه من « القرامطة » و « آل زياد » أتباع بني « العباس » بل ومن آل يعفر الذين كانوا كما قال الأستاذ حمد الجاسر « يميلون مع هؤلاء آونة ومع أولئك أخرى ، وينضمون إلى غير الفئتين في بعض الأحيان » ؟ ( مقدمة صفة جزيرة العرب ) والهمداني الفيلسوف لا يستطيع أن يطمئن إلى أمثال هؤلاء ، ولذلك استقر في « صعدة » ولا شك أن علاقة ود كانت تربط بينه وبين الناصر وقد أشار في كتبه إلى مدائح الشاعر « ابن الحدوبة » فيه وفي أبيه الهادي وذكر أشعار غيره ولو أن كتب الهمداني قد وصلت إلينا دون تحريف ، أولو ظفرنا بديوان شعره كاملا لوجدنا فيها الكثير مما يجحد التخرصات والاختلافات ويقر الحقائق التي تتلاءم وتنسجم مع أخلاق الهمداني الأصيلة وطبيعة مثله في مثل تلك الفترة المضطربة التي نتحدث عن آدابها ورجالها . ولا بد من القول : أن خيرا كثيرا قد حجب عنا عمدا ، وأن كثيرا من المؤرخين قد أعماهم التعصب ، أو التحيز لفئة ما ، أو مذهب ما ، ولذلك فعلى من يريد أن يدرس تاريخ اليمن وآدابها أن لا يقتصر على كتب فئة من الفئات ، أو مؤرخي دولة من الدول ، بل عليه أن يتحرى ، ويتتبع آثار كل فئة من كتب مؤرخيها وأدبائها ، وأنه لمن دواعي الأسف أن نذكر أن أغلبية مؤرخينا - قدامي ومحدثين - هم من المتعصبين والمتحيزين ، ومعظمهم تأثروا بما يحيط بهم ، وتضج به مجتمعاتهم من تعصبات مذهبية ، أو دعوات