حسن الأمين
117
مستدركات أعيان الشيعة
سلالية ، وقل أن تجد فيهم من يستطيع أن يتحرر من قيود بيئته ، أو ينصف غير أبناء طائفته ، ويتفاوتون ، بين مغرق يتعسف ، وخائف يتعثر ، وعالم يتجاهل ، وجاهل يتعالم ، وقد يبلغ بالبعض التطاول إلى التكفير والتفسيق ، وبآخرين الانسياق وراء الخرافات والسخافات ، وبقوم الهبوط إلى مهاوي التضليل والدجل ويستوي في ذلك المحدثون والأقدمون . العمود الفقري لحياة الهمداني لقد امترست الآراء والألسن ، واختلفت وتضاربت وتجادلت بالكلام عن « الهمداني » ثناء ومدحا ، وتجريحا وقدحا ، شأنها في كل زمان ومكان مع الأفذاذ ، وقد ترجمه من القدامى صاعد الأندلسي ، والقفطي . ويحيى بن الحسين ، واهتم به وبكتبه المستشرقون ، وأثنى عليه ناقدا محب الدين الخطيب وحمد الجاسر ومجده وقدسه محمد بن علي الأكوع ، وتحدثت عنه أولا في كتابي « قصة لأدب في اليمن » وثانيا في كتابي « دامغة الدوامغ » ثم ثالثا في كتابي « جناية الأكوع على ذخائر الهمداني » وفيه زيفت بعض ما ينسب إليه من قبل من لم يعرفوا قدره ، وفندت من يزعم أنه كان منحرفا عن آل الرسول ( ص ) ، وأنه كان من أصحاب الهادي وأولاده « المرتضى » و « الناصر » ، وأن تشيعه لم يتأثر بعصبيته لقومه « قحطان » ضد « العدنانيين » ، ولا بسوء التفاهم الذي حدث بينه وبين الناصر في أواخر أيامه بصعدة بسعاية ووشاية خصومه القوميين والسياسيين . على أن جل ما قيل عن الهمداني قبل اكتشاف بعض مقالات كتابه « سرائر الحكمة » كان لا يخلو من العاطفة والهوى ، والتأثر بما قاله محبوه أو خصومه ، ولا سيما في معرفة مولده ونشأته الأولى وقضية سجنه ، أما بعد العثور على « سرائر الحكمة » فان حياة الهمداني لم تعد محاطة بالغموض لأنه قد تحدث بنفسه عن نفسه ، وسجل كتاب سيره بأسلوب روائي بديع نستطيع مما جاء فيه . . . أن نستجلي صورة الهمداني ونحدد معالمها فيما يلي : 1 - ولد بصنعاء في يوم الأربعاء 19 / صفر سنة ( 280 ه ) وهو العام الذي خرج فيه الهادي يحيى بن الحسين إلى اليمن للمرة الأولى . 2 - حدثت به علة ليست بشديدة وهو في الخامسة من عمره ، ولم يكد يبلغ السابعة إلا وهو يحدث نفسه بالأسفار . 3 - كان أبوه رحالة دخل الكوفة والبصرة وبغداد وعمان ومصر وكان لأسرته بصر بالإبل منذ كانوا في « مشرق اليمن » ولما انتقلوا إلى صنعاء اشتغلوا بالجمالة والتجارة ونقل الحاج بين جنوب الجزيرة وشمالها . 4 - انتقل من « صنعاء » وهو في الخامسة عشرة ، أي عام ( 295 ه ) إلى صعدة قبل وفاة الإمام الهادي ببضع سنوات وفي صعدة شارك أهله في عملهم وهو نقل الحجيج والتجار ما بين صعدة ومكة . وفي صعدة بلغ سن الرشد وجنح إلى متع الحياة وطيباتها وشغف بمخالطة الناس ومجالسة الغرباء خاصة واكتسب من ذلك معارف وتجارب . 5 - بعد عشرة أعوام من استقراره في صعدة أي حوالي سنة ( 305 ه ) وهو في الخامسة والعشرين وقد أمر أمره ، وكثر أصدقاؤه وحاسدوه وأشقاه الكد ، وأضناه الترحال واكتسب حدة الطباع ، وحب الجدل والنقاش فنال من مخالطة المنافسين ومعارضة الخلطاء وعداواتهم ما زين له « السفر الكبير » فارتحل إلى مكة طالبا للعلم ومجاورا للبيت الحرام . . . ونعلم أنه أثناء رحلته هذه قد أصابه مرض شديد أشرف به على الموت ولكنه واصل الرحلة حتى وصل « مكة » . 6 - جاور في مكة حوالي سبع سنوات أي إلى عام ( 311 ه ) ، وفي مكة تفتحت له آفاق المعرفة ، واتسعت بسطته في العلم ، وعرف الكثير من علماء الحجاز والعراق والشام ومصر والأندلس وتلقى العلم عن بعضهم وأخذ شيئا من علم الأخبار والمنطق والحديث والفقه واقتنى بعض كتب السيرة ودواوين الشعر ، ورغم أنه فقد في مكة رفاهية « صعدة » ولذاتها ، وتعرض لأذى حرها وهجيرها ، كما يقول في المقالة العاشرة عن نفسه ألا أن فترة إقامته بها كانت من أخصب سني التحصيل العلمي والنضوج الثقافي . 7 - في عام ( 311 ه ) أو العام الذي يليه رجع إلى اليمن ونزل صعدة وهي يومئذ قاعدة الامام الناصر بن الهادي ( 1 ) الذي كان أثناء غياب الهمداني في مكة - قد قضى على سطوة القرامطة ، واجتث شوكتهم في وقعة « نغاش » ، وأصبحت « صعدة » أكبر مراكز العلم والأدب في اليمن ، وتكتظ بالأفذاذ من العلماء والشعراء والفقهاء ، كما أنها أصبحت أهم المحطات التجارية ، وأكبر مراكزها ما بين مختلف الجهات اليمنية ، بل وطريق قوافل الحجاج والتجار من جنوب الجزيرة إلى شمالها ، وقد رحبت صعدة بالهمداني من جديد ، « وعمر بها دارا ، وامتلك عقارا » ، وطاب له العيش والمقام بها وراق ، وساهم في إحياء الحركة العلمية والثقافية ، وشارك في الأمور السياسية والتجارية ، وكان له حظ لدى الناصر ، ومكانة بين العلماء والشعراء ، ووجاهة لدى زعماء القبائل ، وأخذ عن العلماء وأخذوا عنه ، وأرفدهم بما تعلمه وهو بمكة ، وبما أورده معه من كتب تاريخية وفقهية ولغوية ودواوين شعر ، وارتفع قدره وعرض جاهه ، وكانت « صنعاء » وما صاقبها تحت حكم أسعد بن يعفرو « زبيد » يحكمها « ابن زياد » ، وهناك عدد من المشايخ والسلاطين يحكمون قبائلهم بتقاليد عشائرية ، وأسلوب جاهلي يولون هذا تارة وذلك أخرى ، والجميع يتصارعون على حطام الحكم والسلطة ، ومدنهم وقراهم تتعرض للفتن والنهب والدمار ، بينما كانت « صعدة » عندما عاد الهمداني تتمتع بشيء من الرخاء والاستقرار السياسي وتزدهر بنشاط ثقافي حي ، وحاكمها إمام مبرز في علوم المعقول والمنقول . ولذلك كله اطمان الهمداني إلى الاستقرار بها كما هاجر إليها أستاذه أبو نصر الحنبصي فرارا من « القرامطة » و « الحواليين » . وهناك قرءا معا « سجل بن أبان » وأخذ عن شيخه الطاعن في السن ما أخذ في علم الأنساب . 8 - ما بين عام ( 311 ه ) وسنة ( 315 ه ) وبعد أن شب أولاد الامام الناصر ، وبرز إلى الساحة مجموعة من الوزراء والقواد والمشايخ بدأت تنجم قرون الصراع والخلاف بين المتطلعين إلى « وراثة السلطة » إذا ما انتقل « الامام الناصر » إلى جوار ربه ، كما أن الخلافات القديمة بين قبائل منطقة صعدة والتي كانت سببا من أسباب ذهاب وفود تلك القبائل إلى « الرس » وتنصيب الهادي إماما لهم سنة ( 284 ه ) بدأت أيضا تثار من جديد ، ونشأت معارك كلامية نشب بسببها صراع بياني مرير بين شعراء التعصبات العرقية ، والدعوات الجاهلية والتفاخر بين « القحطانية » التي ينتسب إليها عرب جنوب الجزيرة ، و « العدنانية » التي يعتزي إليها عرب شمالها ، إلى جدل كلامي وفقهي بين أصحاب المذاهب والنحل ، وشبت المعارك اللسانية
--> ( 1 ) ثم أدرك المرتضى وكذلك أخاه الناصر .