حسن الأمين
110
مستدركات أعيان الشيعة
وذلك ما أصبح تقليدا متبعا بالنسبة لخلفائه وأمانة موروثة عنه . ( 1 ) وعند ما شعر المعز لدين الله بأنه أصبح في مركز قوة ، بعد اكتمال الاستعدادات المادية ، والمعنوية ، افتعل حادثة الجارية التي قيل أن أم الأمراء ، وجهتها من المغرب لتباع في مصر ، فاشترتها امرأة مثلها هي بنت الإخشيد ، لتتمتع بها . وقد كانت هذه الحادثة محورا لحديث دعائي قوي شنع فيه على ولاة مصر ، ونظام العباسيين ، وعلى المجتمع المصري ، أمام جمع من شيوخ كتامة ، وقادتها ، وقد ختمه بقوله يا إخواننا انهضوا إليهم ، فلن يحول بينكم وبينهم شيء ، وإذا كان قد بلغ بهم الترف إلى أن صارت امرأة من بنات ملوكهم تخرج وتشتري لنفسها جارية تتمتع بها فقد ضعفت نفوس رجالهم ، وذهبت الغيرة منهم « . ( 2 ) وهذا الأسلوب الدعائي الملتهب ، كان جزءا من خطة كاملة ، غايتها التمهيد لغزو مصر ولانتقال الخلافة الفاطمية إليها ، أما الوسيلة ، فكانت التشهير بالمجتمع ، والإساءة إلى عناصر السلطة الداخلية ، والخارجية ، حتى كان المعز لدين الله في مجالسه يصف العباسيين بالملاعين ، ويحرص على أن يتحف رجاله بما يحط من قيمتهم كخلفاء ، ومن ذلك ما لاحظه من أن كتب التاريخ ، والأخبار ، التي سجلت عن العباسيين واطلع عليها ، تذكر ميل بعض الخلفاء إلى اللهو والشرب والتمتع بالغلمان ، وعقب على ذلك بقوله » هذه محاسن القوم فكيف بمساوئهم وهذا قول من قصد بقوله مدحهم ، فكيف بمن قصد ذمهم . ( 3 ) ولم يتورع عن الطعن في مشروعية خلافتهم ، أو عن الإشارة إلى أن هدف الخطة الفاطمية منذ عصر المهدي ، كان القضاء عليهم « لو أراد الله ببني العباس خيرا لقطع أمرهم يومئذ على يديه وهم في عنفوان أمرهم ، وتمام سلطانهم وعزهم » . ( 4 ) وتدل بعض التوقيعات التي أصدرها المعز لدين الله إلى النعمان بن محمد ، يمنيه بالخير الكثير ، والبناء الرفيع في مصر ، ردا على طلبه الحصول على أرض للبناء ليجتمع شمل أسرته بالمنصورية ، على أنه كان يعتبر نفسه مؤقتا في بلاد المغرب ، وأن ساعة الانتقال إلى مصر قريبة ، « فالله يهبك السلامة حتى تبتني في أيامنا ، ومعنا ، حيث يختاره الله ويرضاه له من أرض المشرق الأرض الواسعة » ( 5 ) ومن هذا القبيل قوله أمام جمع من رجاله وجدهم عند جوهر متأثرين لمرضه الشديد ، « لا تغتموا ، فإنه يبرا ، ويفتح مصر بمشيئة الله » . ( 6 ) ويرتبط بالخطة الأصلية للحركة الفاطمية ، في عصر المعز لدين الله ، التدخل في شؤون الحجاز ، تمهيدا لفرص الحماية على الحرمين الشريفين ، واكتساب مودة الأشراف ، إذ تشير بعض النصوص إلى توسط المعز لدين الله لتحقيق الصلح بين فرعي بني الحسن ، وبني جعفر بن أبي طالب ، الذين اقتتلوا فيما بينهم ، وقد انفذ أموالا ورجالا وتحمل ديات القتلى وكان أكثرهم من بني الحسن ، « فصار ذلك جميلا عند بني الحسن للمعز » قابلوه بالدعاء له في مكة عقب فتح مصر ، وتولى ذلك منهم حسن بن جعفر الحسني ، الذي أرسل إليه المعز لدين الله « بتقليد الحرم وأعماله » . ( 7 ) وكانت مكاتبات الدعاة ، وبعض عناصر المجتمع في مصر ، لا تنقطع عن المعز لدين الله ومن هؤلاء الوزير ، أبو الفضل جعفر بن الفرات ، المعروف بابن حنزابه ، الذي حثه على فتح مصر ، نكاية في الأمير الإخشيدي : الحسن بن عبيد الله بن طغج أمير الرملة والشام ، الذي ضيق عليه ، وآذاه ، وقصد به شرا . ( 8 ) وتضمنت بعض المكاتبات تعبيرا عن سهولة فتح مصر وطواعية سكانها للفاطميين ، بعد اختفاء كافور الإخشيدي ، قولا نصه « إذا زال الحجر الأسود ، ملك مولانا المعز لدين الله مصر » ، ( 9 ) وكان هذا الخادم المتغلب الذي عرف بالأستاذ ، وكنى بأبي المسك وقلد مصر نهائيا من طرف الخليفة العباسي ، بعد وفاة ابني الإخشيد ، من الدهاء والحكمة بحيث أدرك قوة تأثير الحركة الفاطمية في مصر ( 10 ) وأحس بثقل الفاطميين المجاورين له في برقة ، فلم يظهر العداء ، لكنه لم يتعاون مع المعز لدين الله لنجدة مسلمي أقريطش خوفا من غضب العباسيين ، واحتفظ بتوازنه أمام القوتين المتصارعتين ، فكان يهادي المعز صاحب المغرب ، ويظهر ميله إليه ، وكذا يذعن بالطاعة لبني العباس ، ويداري ، ويخدع هؤلاء وهؤلاء . ( 11 ) وما كان من أمر بقي خافيا في مصر ويريد المعز لدين الله أن يعرفه ، قبل إرسال حملة جوهر الضاربة ، فقد استفاده أخيرا من يعقوب بن كلس ، الذي فر من مصر ناجيا بنفسه ، من فتك الوزير ابن الفرات ، إلى بلاط المعز لدين الله في المنصورية . ( 12 ) ولم يرجع إلى مصر إلا في ركابه . وقد ظهر التعبير العملي عن أهداف الخطة الفاطمية في المشرق ، في الأعمال العسكرية التي وجهت ضد مصر ، منذ عصر المهدي واستمرت حتى أواخر عصر المعز لدين الله وكانت مصر في نظر الحركة هي الطريق الطبيعي للنفاذ إلى قلب الخلافة العباسية في بغداد ، بعد التهام أطرافها في الحجاز والشام . ولم تكن حملة جوهر ، في عصر المعز لدين الله ، غير الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الجهود العسكرية استهلها المهدي بإرسال حملتين قادهما ابنه أبو القاسم ، وكان صاحب مقدمته في الحملة الأولى ومساعده في القيادة ، أبا داود حباسة بن يوسف الملوسي ، واشترك إلى جانبه كثير من قبيلة ملوزة وظهر من بين قادة كتامة أبو فردين ، وكانت هذه الحملة برية ، كما ظهر
--> ( 1 ) النعمان : المجالس والمسايرات 2 ، ورقة 474 وما بعدها ، أما النعمان فقد عبر عن الوضع قبيل فتح مصر بقوله « ما يمنع أمير المؤمنين من المشرق ، إلا أنه لم ير العزم في أمره ، فاما لو عزم على ذلك لما حال دونه حائل . ( 2 ) المقريزي : اتعاظ ، 1 ، 100 . ( 3 ) النعمان : المجالس والمسايرات 1 ورقة 170 - 171 . ( 4 ) نفسه 2 ، 478 وما بعدها . ( 5 ) نفسه ، 2 ، 634 - 635 . ( 6 ) لمعة في سيرة المعز ورقة 3 ، مخطوط مكتبة جامعة القاهرة رقم 24022 . ( 7 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 101 . ( 8 ) ابن أيبك الدواداري : الدرة المضيئة 6 ، 120 - 121 ، العيني ، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ج 19 ، القسم 2 ورقات 221 - 222 . 507 - 508 من القسم 3 . ( 9 ) العيني : المصدر السابق ج 19 ( ق 2 ) ورقة 266 - 267 ، سبط ابن الجوزي : المصدر السابق ج 11 ، 23 وفيه « الدنيا كلها » ، المقريزي : اتعاظ 1 ، 102 ، نقلا عن ابن زولاق ، وفيه « الأرض كلها » . ( 10 ) النعمان : المجالس والمسايرات 2 ، ورقة 474 وما بعدها ، أما النعمان فقد عبر عن الوضع قبيل فتح مصر بقوله « ما يمنع أمير المؤمنين من المشرق ، إلا أنه لم ير العزم في أمره ، فاما لو عزم على ذلك لما حال دونه حائل . ( 11 ) أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 4 ، 6 . ( 12 ) ابن الجوزي : المصدر السابق ج 11 ورقة 152 - 153 ، العيني : المصدر السابق ، 19 ( ق 3 ) 507 - 508 343 . Huart : Op . cit , t . p .