حسن الأمين

111

مستدركات أعيان الشيعة

نشاط الأسطول الفاطمي في السيطرة على مواني برقة ، والإسكندرية ، ومن ثم وصفت في بعض النصوص ، بأنها : برية بحرية . ( 1 ) وكانت القوة الفاطمية ضخمة ( 2 ) ، ومن ثم سهل عليها تحطيم المقاومة في برقة ، وهزيمة ولاة الإقليم المعتمدين من طرف أبي منصور تكين الخاصة والي مصر ، فانسحب أبو النمر أحمد بن صالح ، لأنه عزل عن الولاية ، ولحق به خلفه خير المنصوري ، ثم خصمه عبد العزيز بن كليب ، اللذان تحاسدا ، وخذل كل منهما الآخر ، كما واصلت الحملة سيرها نحو الإسكندرية واقتحمتها في محرم 302 ه‍ / يوليه 914 م بدون مقاومة ، لأن أغلب أهلها تركوها إلى جهات مختلفة بما خف من أموالهم وأمتعتهم ، ولم يجد أبو منصور تكين ، أسلوب التخذيل الذي اصطنعه مع رجال الحملة ، عندما أرسل إلى حباسة باسم الخليفة العباسي المقتدر بالله ، يدعوه إلى الطاعة كما لم يغن عنه ما بذله من جهد لرد القوة المهاجمة التي ضيق جزء منها على الفسطاط ، من مركز مشتول ، ( 3 ) وسار الجزء الآخر بقيادة أبي القاسم ومعه أبو فريدن نحو الفيوم ، ( 4 ) وكانت الحرب سجالا بين الفريقين ، لم ترجح كفة أحدهما حتى وصل مؤنس الخادم في رمضان 302 ه‍ ، ( 5 ) بعد انسحاب حباسة مغاضبا لأبي القاسم ، ( 6 ) الذي أيس من النصر ، وبانت له استحالة بقائه في الفيوم بعد النكبات التي حلت به وبرجاله في الوقت الذي تدعم فيه موقف والي مصر ، بنجدة مؤنس الخادم ، ولم يجد مفرا من التستر على فشله وذلك باتهام حباسة ، ثم بانسحابه يجر أذيال الخيبة إلى رقادة التي وصلها في ذي القعدة 302 ه‍ ( 7 ) / مايو 914 م . وأثر هذه الحملة الفاشلة ، انتدب لولاية مصر ذكا الأعور منذ صفر 303 ه‍ / أغسطس 915 م خلفا لأبي منصور تكين الخاصة ، فاهتم بمدينة الإسكندرية وترك فيها ابنه مظفرا ، عاملا مقيما مع قوة كبيرة ، وفي الفسطاط نكل بكل العناصر المتشيعة ، أو المشبوهة ، التي يشك في أن لها اتصالا بالحركة الفاطمية في المغرب . ( 8 ) وأما المهدي ، فقد أرسل إلى برقة ، أبا مديني بن فروخ اللهيصي ، الذي أمن الإقليم ، وضمه إلى الفاطميين وانطلق منه نحو النشاط على حدود مصر ، وتشير بعض النصوص إلى أن سكان لوبية ، ومراقية تركوا المنطقة ، ودخلوا مدينة الإسكندرية القريبة منهم منذ شوال 304 ه‍ / مارس 916 م - بدافع الخوف من والي برقة الذي كان دائب النشاط والحركة ويضغط على حدود مصر ، وعلى مدينة الإسكندرية التي هي باب مصر ، وأول ميناء هام يتصل بالمغرب ( 9 ) وقد بدا لذكا الأعور ، ولابنه مظفر عامل الثغر ، أن المهدي لن يبقى مكتوف الأيدي ما بقيت عنده قوة ، وأنه هو الذي أوحى إلى وإليه في برقة ، بمواصلة نشاطه على حدود مصر ، تمهيدا للحملة الثانية التي انطلقت من رقادة منذ شهر ذي القعدة 306 ه‍ / إبريل 918 م واشتركت فيها حشود من كتامة ، مع عرب إفريقية ، وبربرها ، وبعض القادة المشهورين ، مثل خليل بن إسحاق ، وأبي غانم الكاتب ومن ابن الحسن بن أبي خنزير ، وجوذر الصقلبي ، ( 10 ) وكانت حملة برية ، بحرية ، وتولى قيادة المقدمة ومساعدة أبي القاسم ، سليمان بن كافي الخادم ، ( 11 ) الذي كان له أيضا الاشراف على الأسطول الذي باشر قيادته يعقوب الكتامي . ( 12 ) وقد تمكنت قوات الفاطميين من دخول الإسكندرية بدون مقاومة ، لأن معظم سكانها القادرين على الدفاع غادروها إلى جهات مختلفة مثل المرة الأولى كما غادرها مظفر بن ذكا ، إلى وجهة غير معروفة ، وبينما تقدم سليمان بن كافي نحو مدينة الفيوم واقتحمها عنوة ، بقي أبو القاسم في الإسكندرية فترة استقبل أثناءها نجدات كبرى ، حتى « اجتمع إليه عدد يجل عن الإحصاء » وبهم سار نحو الفيوم ، والأشمونين التي وصلها في رجب 307 ه‍ ( 13 ) / نوفمبر 919 م ويبدو أنه أحس بحاجة الإسكندرية إلى قائد كفء يحافظ عليها ، ويراقب حركات العباسيين ويتولى العناية بالأسطول ، لذلك بقي وحده في الأشمونين وأرسل ابن كافي إلى الإسكندرية لينضم إلى يعقوب الكتامي . ورغم سوء حالة ذكا الأعور ، لخلافه مع الرعبة بسبب تصرفات الجند ، وشغب هؤلاء عليه بسبب تأخر الأرزاق ، فإنه وجد سندا قويا من القوة الشعبية التي شجعته على المقاومة والتحصن في الجيزة ، وبناء استحكامات حول معسكره ، وبقي في وضع المتأهب للقتال ، يساعده محمد بن طاهر ، والماذرائي ، حتى توفي في ربيع الآخر 307 ه‍ / أغسطس 919 م فخلفه أبو منصور تكين في الولاية بتقليد من المقتدر بالله العباسي ، وأشرف على تقوية جانب الدفاع بناء على خطة سلفه ، وتولى الماذرائي إيهام أبي القاسم ، بأنه على الطاعة ، وأن مصر خالية من الجند وأن الاستيلاء عليها هين ولا يخشى الخطر إلا من جانب « العوام » وكان قصده أن يتيح لنفسه فرصة واسعة لكي تكتمل استعدادات مصر بوصول مؤنس الخادم على رأس القوات العباسية ، ( 14 ) وبوصوله فعلا بدأ الهجوم ضد مراكز القوة

--> ( 1 ) الذهبي : تاريخ الإسلام ج 3 ، ورقة 5 - 6 ( أحداث سنة 301 ه‍ ) خ دار الكتب رقم 396 تاريخ . ( 2 ) الكندي : الولاة والقضاة 268 وما بعدها وقد قدر قوة حباسة بمائة ألف وزيادة ، ولم يشر إلى أبي القاسم في هذه الحملة ، الذهبي : نفس المصدر السابق ، وقد قدر القوة الفاطمية بأربعين ألفا ، وأشار إلى أبي القاسم ووصف حباسة بصاحب مقدمته ابن عذاري : المصدر السابق 1 ، 235 وما بعدها ، 238 وما بعدها . ويلاحظ إمداد المهدي لحباسة بالجيوش باستمرار ، وأنه خرج قبل أبي القاسم ، والتقيا معا في الإسكندرية ، المقريزي : اتعاظ 1 ، 68 ، 69 ، ويجعل خروج أبي القاسم سابقا على خروج حباسة ، الذي قاد الحملة البحرية منذ 302 ه‍ ، الطبري : المصدر السابق 11 ، 408 - 409 ، ووصف حباسة بقائد ابن البصري ، عريب سعد : المصدر السابق 27 - 36 . ( 3 ) الكندي : المصدر السابق 269 - 270 وقد لاحظ هزيمة قوة حباسة أولا ثم انتقامها من أهل مصر ثانيا . ( 4 ) ابن عذاري ، 1 ، 23 س 1 ، 4 . ( 5 ) نفسه 1 ، 239 س 11 . ( 6 ) نفسه ، س 5 ، 7 - 8 ، وعن حملات المهدي ضد مصر انظر أيضا : سعيد عاشور : مصر في العصور الوسطى 187 وماريوس كنار في مقال : Edition 8732 p 2 . EI . ArtFatimidesT ( 7 ) ابن عذاري : البيان 1 ، 239 س 10 ، 12 وانظر ص 240 س 17 - 18 ، وعن بعض مظاهر التخريب التي تسبب فيها جند كتامة انظر البكري : المغرب 2 . ( 8 ) الكندي : الولاة والقضاة 273 - 274 . ( 9 ) نفسه . والدي يلاحظ أن اسم القائد الكتامي ( أبي مديني ) جاء مصحفا في المتن والهامش أيضا ، انظر 274 هامش 1 منه ، وعن كورة لوبية ومراقبة ومن منازلها الرمادة ، انظر اليعقوبي : البلدان 95 ، عمر بن محمد الكندي : فضائل مصر 47 - 48 ( ط 1971 ) : تحقيق إبراهيم العدوي . ( 10 ) الذهبي : تاريخ الإسلام ج 3 ، ورقة 5 - 6 ( أحداث سنة 301 ه‍ ) خ دار الكتب رقم 396 تاريخ . ( 11 ) نفسه 1 ، 254 . عريب بن سعد : صلة تاريخ الطبري 41 - 42 . وابن كافي من عنصر الصقالبة ، العزيز : المصدر السابق 35 تعليق 10 . ( 12 ) الكندي : المصدر السابق 276 وما بعدها ، المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 71 . ( 13 ) ابن عذاري : المصدر السابق 1 ، 255 . ( 14 ) نفسه ، ابن سعيد : المصدر السابق 1 ، 175 .