حسن الأمين

103

مستدركات أعيان الشيعة

لثمان خلون من ذي الحجة 359 ه‍ ، وفرض حصارا على المدينة ، واتخذ من يوم السبت 10 ذي الحجة [ ] 359 معسكره ، ومقر قيادته بحي الشماسية ومن هناك أشرف على المعركة ضد أحداث دمشق وأشرافها وجندها الذين قاوموا ضغط جند كتامة فترة ثم بدؤوا يميلون لانهاء حالة الحرب والحصار في إطار الاعتراف بالسيادة الفاطمية ، غير أن جعفرا بن فلاح ، لم يستجب لهم بسهولة ، قصدا لما عرفه من تقلب أهوائهم وسيطرة الشطار والأحداث ، والأشراف ، وسائر عملاء العباسيين على الوضع الداخلي ، ولذلك لقي وفد سكان المدينة معاملة سيئة أثناء محاولتهم الاتصال به في حي الشماسية للحصول على الأمان ، كما قوبلوا بالتهديد والوعيد من جانبه عندما قابلهم بنفسه وكان هدفه فيما يبدو أن يكون هؤلاء أداة تبليغ لسكان المدينة ولعناصر الشغب المتطرفين ، ليشتد خوفهم وتزداد حيرتهم ، عندما يعرفون مدى تصميم القائد على إخضاعهم بالقوة القاهرة ، وربما كان يريد بهذا التشدد أن ينصرف السكان عن المشاغبين ، ويتخلصوا منهم ، وبذلك تتبلور اتجاهات السلام والصلح على أساس متين ويبدو أنه نجح في خطته إلى حد بعيد ، لأن السكان وقد هالهم هذا التشدد واحتاروا في معالجة الوضع ، لم يجدوا غير مشائخ البلد وأشرافها وكان جعفر بن فلاح يميل إليهم ويقدرهم لأنهم من آل البيت ، وقد نجحت وساطتهم لانهاء حالة الحرب إنما بعد تشدد ، وعند ما عرف استعدادهم لتنفيذ كل ما يطلبه ، بدأ يتراجع عن موقف الشدة الذي اصطنعه حتى هذا الوقت ، وتبسط في الحديث مع الوفد ، وقرر أن يشرف بنفسه على إقامة الدعوة للمعز لدين الله في الجامع الأموي في يوم الجمعة ويتفقد شؤون المدينة تطييبا لخاطر السكان ، ثم يرجع إلى معسكره بالشماسية . وكان أعضاء الوفد قد بلغوا ذلك ، ورغبوا من عنصر الشطار أن يلازموا بيوتهم ، غير أن هؤلاء لم يستجيبوا لهذه الرغبة واستغلوا فرصة انتشار عسكر كتامة في أحياء المدينة وأسواقها أثر الصلاة وقتلوا منهم كثيرين بحجة الدفاع عن النفس وعن الأموال ، فتأثر جعفر للحادث واعتبر ما حصل حركة عدائية مقصودة لنقض عهد الأمان الذي تقرر مع وفد المدينة ، وأنكر على المشايخ والأشراف ما حصل من الغدر برجال أمير المؤمنين وتهددهم ولم تهدأ ثورته إلا عندما اعتذروا عن الحادث ووافقوا على ما اقترحه من دفع ديات ضخمة ، فدية لمن قتل من عسكره وتكلفوا بجمع المال من السكان . وتشير النصوص إلى ثورة عامة شهدتها مدينة دمشق في الجمعة الثانية أي بعد الاتفاق على مبدأ الصلح وقد تزعمها عنصر الأشراف بقيادة أبي القاسم بن أبي يعلى ، الذي كان بمثابة رئيس المدينة ينتهي السكان عند رأيه ، ويطيعه الشطار ، وقد انضم إليه عرب بني عقيل ومنهم ظالم بن موهوب وأبناء عصودا ، محمد ، وإسحاق ، وكان مظهر الثورة قطع الدعوة للمعز لدين الله وإزالة شعار الفاطميين وإرجاع الدعوة للمطيع العباسي ولبس شعار السواد ، وكانت الثورة من الخطورة بحيث أن جعفرا واجهها بقوة ، واجتهد في إخمادها وفي القبض على رؤوس الفتنة ومشيري الشغب ، ويبدو أن جهوده أثمرت في النهاية ، وفشلت الثورة وفر زعماؤها خارج دمشق ، وبينما نجا محمد بن عصودا ، وظالم بن موهوب العقيلي بالفرار إلى الإحساء حيث نجحا في الكيد للنفوذ الفاطمي بتاليب القرامطة وتشجيعهم على العودة إلى بلاد الشام وفشل الشريف أبو القاسم بن أبي يعلى ، في النجاة بنفسه إلى بغداد ، فأدركه ابن عليان العدوي ، في صحراء تدمر ، وأرجعه إلى دمشق لكي ينال الجزاء من قائد الفاطميين ، وقد قام جعفر بن فلاح بتشهيره في المدينة على جمل ، ثم أودعه السجن وأخضعه لامتحان عسير حتى رق لحاله وتأثر من مصيره ووعده التوسط عند جوهر لتخفيف العقوبة عنه وحرم ابن عليان من المكافاة وخاطب رجاله مستنكرا عليهم بقوله : « غدرتم بالرجل » ثم صرفهم عنه بدون مال ، وأرسل الشريف وبعض « الأحداث » إلى مصر ، أما الباقون ومعهم إسحاق بن عصودا ، فقد قتلوا وصلبوا واحتزت رؤوسهم وعلقت على أبواب المدينة ، وفي الميادين الكبرى ، وكان فشل هذه الثورة عاملا هاما في تشريد عنصر الأشراف والحد من تطرف الأحداث ، وشغب السكان في دمشق التي استقرت أوضاعها مؤقتا ، وعادت الدعوة الفاطمية إليها ، كما كانت من قبل . وعند ما بدا لجعفر بن فلاح أنه سيطر على الوضع الداخلي بتحطيم عناصر المقاومة ، بدأ يرسي قواعد السيطرة الفاطمية ويطبق مظاهر التحول الجديد ، في الدعوة ، وفي الآذان والإقامة . وتصرف على نحو يشعر بأنه اطمان على الوضع فانتقل من معسكره بحي الشماسية إلى الدكة فوق نهر يزيد ، بظهر سور دمشق ، وأشرف على حركة التعمير والبناء ، فاتخذ لنفسه قصرا عجيبا بناه بالحجارة وتفنن في بنائه حتى جعله « شاهقا في الهواء غريب البناء » وحوله بنى الجند مساكنهم ومعسكراتهم ونشطت حركة البيع والشراء في أسواقهم واتسعت خطتهم وانبثت الحياة بين أظهرهم حتى صارت خططهم « شبه المدينة » ، وعني بالجبهة الشمالية ، وبمنطقة الثغور ، فأرسل بعوثا عسكرية بقيادة بعض مساعديه ضد الروم البيزنطيين في الاسكندرونة وأنطاكية التي احتلوها منذ فترة سابقة ( محرم 359 ه‍ / [ نوفمبر ] نوامبر 969 م ) . وبدؤا يضغطون بشدة على مدن شمال الشام وحلب خاصة ، استضعافا للحمدانيين ، بعد وفاة سيف الدولة ( 322 ) سنة 356 ه‍ - 967 م ، وكان قد أرسل من قبل داعيا هو أبو طالب التنوخي إلى أبي تغلب ناصر الدولة بن حمدان في الموصل يعرفه بأنه في طريقه لاعلان الدعوة الفاطمية في بلاده ، فرفض بشدة على أساس قرب المنطقة من بغداد ، ومن ضغط القوات العباسية ، ولخص رأيه في قوله : « هذا ما لا يتم ، لأننا في دهليز بغداد والعساكر قريبة منا ولكن إذا قربت عساكركم من هذه الديار أمكن ما ذكرتم » . ورغم أن بلاد الشام حسب مظاهر السلطة المادية والتغييرات المذهبية ، التي فرضت في عهد جعفر بن فلاح ، قد أصبحت ولاية تابعة لنظام الفاطميين ، فإنها لم تبق عضوا صالحا ولم تحظ بميزة الاستقرار بل غدت منطقة اضطراب ، ونقطة ضعف بارزة . وانصراف الخلفاء إلى معالجة مشاكلها ، وصرف طاقاتهم الكبرى في ميادينها ، أثر على نفوذهم في بلاد المغرب خاصة ، التي انحط شأنها وأصبحت نسيا منسيا ، ومجالا حرا لتصرفات الزيريين . وكان يمكن أن تتحطم جميع مشاريع المخالفين ويتغلب جعفر بن فلاح على المشاكل الداخلية والخارجية لو استعد ونسق مع نائب المعز لدين الله وراقب الوضع الداخلي ولم يثر خلافا مع بني حمدان غير أنه أخطا التقدير وأثار خلافات جانبية ولذلك انهار بنيانه ولقي مصيره عند أول اصطدام بعناصر المعارضة للحكم الفاطمي التي أغراها الانتصار السريع في بلاد الشام بمتابعة نشاطها لتصفية ما للفاطميين من نفوذ في مصر . ومعارضة القرامطة للحكم الفاطمي في بلاد الشام ، التي ظهرت فجاة