حسن الأمين
104
مستدركات أعيان الشيعة
كانت أخطر المشاكل التي واجهتهم في بداية اتصالهم بهذه البلاد . وقد تحولت إلى حركة صراع مرير ، لم يقتصر على بلاد الشام وإنما تجاوزها إلى مصر ، وكان ذلك في عصر أبي علي الحسن بن أحمد بن أبي سعيد بن بهرام ، المعروف بالأعصم الذي ولي الامارة بعد وفاة أبيه سنة 359 ه / 969 - 970 م وقد بنى سياسته الخارجية على أسس منها : التحرر تدريجيا من التبعية للفاطميين ، وتأكيدا لهذا الاتجاه ، أبعد الحسن بن أحمد العناصر الموالية للفاطميين من أسرة أبي طاهر وجمعهم في جزيرة ( أوال ) حتى لا يعتمد الفاطميون على ولائهم في التمهيد لاحداث الشقاق الداخلي ، كما لم يعترض أثناء وجوده في مكة ( 359 ه ) على إقامة الدعوة باسم الخليفة المطيع العباسي ، مع أن أشراف مكة كانوا يدعون للمعز لدين الله ويتقلدون الحكم باسمه منذ أن تدخل لفض خلافاتهم ودفع ديات قتلاهم ، ولا يفسر موقف الحسن بن أحمد ، إلا على أساس أنه محاولة للتقرب من العباسيين وبنى بويه ، على حساب الفاطميين ، وعند ما بدأ المعز لدين الله في التحرك ضد الحسن بن أحمد بتشجيع أسرة سابور أبي طاهر رد عليه بحذف اسمه من الخطبة والدعوة للمطيع وإعلان الولاء للعباسيين نكاية في الفاطميين . الاحتفاظ بالمركز السياسي للقرامطة في بلاد الشام كان ركنا سياسيا في سياسة الحسن الأعصم ، تمسكا بحق الفتح على أساس أن ذلك يتيح لهم مجالا للتوسع ، وميزات اقتصادية هامة تمون خزينتهم بمبالغ مالية ضخمة . وهذا الاتجاه جعل الحسن الأعصم يقف موقفا معارضا لمد النفوذ الفاطمي في بلاد الشام . ولكي يبرر نشاطه ضد النفوذ الفاطمي ، ويمهد للاصطدام الذي أعد له ، طلب من جعفر بن فلاح ( 1 ) الاستمرار في دفع الأموال إلى القرامطة اعتبارا بان البلاد ما زالت تابعة لهم في إطار سياسة الصلح التي قررها أحمد بن أبي سعيد ، والحسن بن عبيد الله بن طغج ، ويعني هذا الطلب المثير أن يصبح جعفر بن فلاح ، معترفا بنفوذهم ومتحملا لنتائج ترتبت عن توسعه باسم الفاطميين ، في أرض ارتبطت مع القرامطة برباط الصلح نظير دفع الأموال ، ( 2 ) وعلى هذا الاعتبار يصير القرامطة برباط الصلح للفاطميين في بلاد الشام أتباعا لهم في الإحساء ، ولأن الطلب غريب وانبنى على تجاهل متعمد للوضع الجديد في بلاد الشام فقد رفضه جعفر واعتبره غير معقول وترتب على الإلحاح من ناحية القرامطة والرفض الحاسم من جهة جعفر الاصطدام المباشر في ميدان الشام ويبدو أن جعفرا لم يتصور تدخلهم العسكري بسرعة ، ولذلك لم يستعد لمواجهتهم حتى فاجاوه وهو في قلة من أنصاره . وقد مهد القرامطة للتدخل في شؤون الشام بترحيبهم بالزعماء الفارين منها ، عقب فشل ثورتهم في دمشق ، ومن هؤلاء محمد بن عصودا ، وظالم ابن موهوب ، اللذان بسطا للقرامطة حقيقة الوضع السياسي وموقف السكان من الفاطميين وحثا الحسن بن أحمد على سرعة التدخل لنجدة سكان البلاد من بطش المغاربة . وفرار هؤلاء الزعماء إلى الإحساء ، كان يعلم به القائد الكتامي لكنه لم يدرس عواقبه ويحذر نتائجه ، أما الحسن الأعصم فقد اهتبل الفرصة ، وتظاهر بأنه منقذ لسكان الشام ومنفذ لرغبات زعمائهم ، ولم يكن في الواقع حريصا على غير تحقيق أهدافه في البلاد على نحو يبقيها تحت دائرة نفوذه السياسي والاقتصادي ولو بالتحالف المؤقت مع العباسيين . وفي الوقت الذي التام فيه شمل الأحداث بقيادة الحسن الأعصم ، الذي أصبح في حالة تعبئة كاملة من الناحيتين المادية والمعنوية وصار يتظاهر بأنه يتصرف بوحي من الإرادة الشعبية في بلاد الشام وفي إطار الشرعية لتصحيح الأوضاع المنحرفة ، حيث اتخذ الأعلام السود شعارا وعليها اسم الخليفة المطيع ، وتحته شعار القرامطة الجديد « السادة الراجعون إلى الحق » وزحف إلى دمشق . ولم تكن قوات جعفر بن فلاح مجتمعة في دمشق ، بل أغلبها كان في النواحي أو في منطقة الإسكندرية لحرب الروم ، ومن ثم لم يتم له استرجاعها إلى دمشق وحشدها ضد الأحلاف المعادية على الوجه الذي أراده ، وهكذا فوجئ بقوات ضخمة لم يكن يتوقعها وهو في قلة من الأعوان . « فلم يكن إلا كرجع الطرف أو دونه حتى انهزمت المغاربة » . ويلاحظ أن جعفرا لم ينظم قواته ولم يختبر الحالة السائدة بينهم كما لم يقدر قوة أعدائه ، لأنه لم يرتب طلائع لتقصي أخبارهم وحركاتهم وذلك بدافع الاستهانة بهم ، ومن ثم « لم يشعر بهم حتى كبسوه بظاهر دمشق » . ( 3 ) وقد أخذ جعفر برأي بعض أعوانه ، ففارق مركزه الحصين في مدينة دمشق ولقي قوات الأحلاف خارج المدينة « بطرف البرية » ، ( 4 ) وهذا جعل جانبه ضعيفا بسبب كثرة أعدائه ، وربما لو أنه ترك الأمر لأحد مساعديه ، وبقي في المدينة يمده بالنجدات ، ولم يخرج بنفسه على حالتي الاستعجال ، والارتجال ، وربما كان مريضا ، ( 5 ) لأمكن الصمود ، وتدبير الدفاع عن المدينة من داخل الأبواب . ولو لفترة يسيرة ، ولما وقع الانهيار السريع لخطوط دفاعه ، عند أول لقاء بالقوات المهاجمة في قرية الدكة على نهر يزيد حيث هزمت قواته وتفرق رجاله وأصبحوا بين قتيل ، وأسير ، وفار ، كما قتل - هو - في ظروف غامضة ، واحتز رأسه محمد بن عصودا ، وصلب جثته على حائط داره ، انتقاما منه لقتله أخاه إسحاق بن عصودا أثناء فشل ثورة الشريف أبي يعلى . ( 6 )
--> ( 1 ) ابن الجوزي ويشير إلى مكاتبة الحسن بن أحمد للقائد الكتامي وتضمنت قوله يهدده : الكتب معذرة والرسل مخبرة والحق متبع والخير موجود والحد ساكنة والخيل صافنة والسلم مبتذل والظل ممدود وأن أنبتم فمقبول أنابتكم وإن أبيتم فهذا الكور مشدود على ظهور المطايا أو يردن بنا دمشق والباب مهدوم ومردود . ( 2 ) وكان مقدارها سنويا ثلاثمائة ألف دينار وقدرها الذهبي بمائة ألف وعشرين ألفا ( تاريخ الإسلام 3 ، ورقة 189 ) . ( 3 ) بيبرس الدوادار : زبدة الفكرة 6 ورقة 116 ، المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 187 س 6 - 7 وهنا يصور الوضع بقوله « تفرق الناس عن جعفر إلى مواضعهم ، ولم يفكروا بالموكلين على الطرق » ابن القلانسي : ذيل تاريخ دمشق 1 . ( 4 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 187 - 188 ، ابن ظافر : المصدر السابق ورقة 48 وفيه عن مسرح المعركة قوله : لقيه جعفر دونها « . ( 5 ) ابن الجوزي : المصدر السابق ج 11 ورقات 15 ، 18 ، النويري : نهاية الإرب 26 ورقة 41 - 42 . ( 6 ) ابن القلانسي : ذيل تاريخ دمشق 2 هامش 1 ، وتعرف الدكة بالدواسة أيضا ، وقد اعتبرت من عجائب دمشق ، ابن ظافر أخبار المنقطعة ورقة 48 ، عمر كمال توفيق : المرجع السابق 78 .