حسن الأمين

102

مستدركات أعيان الشيعة

نفس الوقت كانت منطقة هامة في حرب الثغور ، وأصبحت بعد فتح مصر ملجا لفلول المنهزمين من الكافورية والإخشيدية الذين ضموا جهودهم إلى عناصر السلطة القديمة في بلاد الشام ، وأصبح الخطر من جهتهم متوقعا فقد بادر جوهر بضمها إلى مصر ، تامينا للحدود وتوسيعا للنفوذ الفاطمي ، الذي امتدت خطوط دفاعه « فأصبحت في بلاد الشام وليست في مصر » . ( 1 ) وكان نائبه في قيادة الحملة الكبرى جعفر بن فلاح هو الرجل الأول الذي عهد إليه بتصفية بقايا الإخشيدية والكافورية وضم بلاد الشام فعليا إلى نفوذ الخلافة الفاطمية . ( 2 ) وكان يشرف على بلاد الشام كبير الأسرة الإخشيدية ، أبو محمد الحسن بن عبيد الله بن طغج الذي كان مركزه دمشق ، وكان على طبرية وحوران والبثنية ( 3 ) ولاة من عرب بني عقيل ، ومنهم شبيب وظالم ، وملهم ، الذي كان يشرف عن طريق غلامه فاتك على طبرية وكان على بيت المقدس عامل أخشيدي هو الصباحي ، ولما كانت الرملة ودمشق أهم مدن الإقليم التابع للأخشيديين فقد كان والي بلاد الشام يوصف أحيانا بصاحب دمشق والرملة التي هي مدينة جنوب فلسطين العظمى ، ( 4 ) وقد ظفرت بمركز ممتاز فاق أهمية بيت المقدس بسبب موقعها الاستراتيجي وقربها من حدود مصر ، وقد تعرضت أكثر من مرة لغارات قرامطة البحرين وغدت بعد فتح مصر قاعدة حربية لمواجهة الغزو الفاطمي من جهة مصر ، إذ استقر فيها الحسن بن عبيد الله بن طغج منذ شهر رمضان 358 ه‍ / يوليه 968 م ليخطط للمعركة القادمة مع جعفر بن فلاح ، وترك دمشق في عهدة أحد موالي الإخشيديين ، وهو شمول ، ولأن الأخير ، كان يحقد على الحسن مكانته السياسية وسعة سلطانه ، وينتظر به فرصة قدوم طلائع الجيش الفاطمي ليخذله ، ويظهر ما بيته له ، فقد اتصل بجوهر سرا وكشف له عورات البلاد وأبان عن وجهة نظره في الحسن بن عبيد الله ، ثم تقاعد عنه ورفض مساعدته في الرملة رغم إلحاحه عليه وعلى الصباحي وفاتك في سرعة المجيء ، بسبب قرب العسكر الفاطمية ، وتركوه مع ثلة من مساعديه يواجهون الهزيمة ، ومحنة الأسر على يد جعفر بن فلاح ، منذ منتصف رجب 359 ه‍ / ماي 970 م وقد أرسلوا مقيدين إلى مصر ، ومنها واصلوا الرحلة صحبة الهدية التي أنفذها جوهر إلى بلاد المغرب . ( 5 ) ويبدو أن حزم جعفر بن فلاح وسياسته ودعوته لولاة الإخشيديين لاعلان الولاء والطاعة للمعز لدين الله ، هي التي صرفت كثيرا منهم عن مساعدة ابن طغج وأدته إلى الاستسلام لقوات جعفر دون مقاومة تذكر ، إلا في مدينة طبرية ، التي يبدو أن واليها فاتكا غلام ملهم العقيلي ، بيت على مقاومة قوات الفاطميين ، ( 6 ) ولذلك تحصن جعفر في نقطة استراتيجية تسيطر على الجسر وبنى معسكرا اتخذه منطلقا لحرب فاتك ، رغم أن ملهما مال إلى الموادعة وتظاهر بالولاء والطاعة للفاطميين . ( 7 ) وعند ما تم قتل فاتك غدرا ، تظاهر جعفر بأنه فوجئ بالحدث الذي لم يكن له به علم ، وتحفظ على عناصر التامر من الأعراب ، وقدمهم إلى ملهم ، ليقتص منهم ، فتحاشى الأخير قتلهم ، وعفا عنهم ، خوفا من الإيقاع به ( 8 ) أما سكان المدينة فقد استاؤا للحادث ، والتحموا مع قوات جعفر ، وشهدت طبرية فتنة كبرى ، لم تقتصر آثارها على عناصر الخلاف وإنما شملت من جاء إلى المدينة في هذا الظرف الدقيق ، وهم ممثلو سكان مدينة دمشق ، الذين غادرهم شمول الإخشيدي ، وانضم إلى قوات جعفر بن فلاح في طبرية ، ( 9 ) فارتاع السكان وأرسلوا إلى جعفر ، وفدا من شيوخهم لاعلان الولاء ، ورغم أن القائد الكتامي استقبلهم بحفاوة وتبسط معهم في الحديث فإنهم تالموا من سوء المعاملة ، وعند ما رجعوا إلى دمشق « غير شاكرين ، ولا راضين » عن قوم جفاة قباح المناظر والزي والكلام ، ليس لهم عقول يرجعون إليها « نقلوا إلى سكان المدينة صورة قائمة وانطباعا سيئا آذى مشاعرهم ، وأدخل الرعب في نفوسهم ( 10 ) ، وجعلهم يستعدون للمقاومة الجدية بتوجيه أشراف دمشق وبمساعدة بقايا الإخشيدية والكافورية الذين لم يرافقوا شمولا ، ثم عنصر الأحداث والشطار » الذين كانوا بمثابة قوة دفاعية مدنية من بين عامة السكان ، وقد استغلوا حالة القلق في المدينة والفراغ السياسي بعد انسحاب شمول ، ( 11 ) وتفرق جنده ، لكي يظهروا عنصرا فعالا في حماية المدينة من الغزو الخارجي ويبرزوا إلى الحياة السياسية ويمثلوا دورا هاما في مدن الشام الأخرى قبل وبعد الفتح الفاطمي . ويبدو أن أوضاع دمشق وحالة الاستعداد للمقاومة هي التي أملت على ابن فلاح خطة أساسها الانتقاص من أطراف دمشق ، وكسر مقاومة بني عقيل في حوران والبثنية ، وسكان الغوطة بجهد مشترك بين جزء من قواته وأعراب مرة وفزارة ، وذلك قبل اقتحام المدينة بقوات الحملة الرئيسية . وعند ما شعر بأنه أبعد بني عقيل عن الميدان إلى حمص ، ونال رجاله من ضواحي دمشق بعد خسائر تكبدها خف بكامل قواته ( 12 ) ، منذ يوم الخميس

--> ( 1 ) عمر كامل توفيق : مقدمات العدوان الصليبي على الشرق العربي 66 - 67 ، المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 120 ، ابن خلدون ، العبر 4 ، 100 ، ابن الأثير ، الكامل 8 ، 212 ، النويري ، نهاية الإرب 26 ورقة 41 - 42 ، يحيى بن سعيد الأنطاكي : المصدر السابق 349 وما بعدها . ( 2 ) عبد المنعم ماجد : ظهور خلافة الفاطميين 109 ، جمال سرور : النفوذ الفاطمي في بلاد الشام والعراق 16 وما بعدها . ( 3 ) والبثنية من كورة دمشق انظر : مدينة دمشق عند الجغرافيين والرحالة 13 . ( 4 ) ابن حوقل : صورة الأرض 171 . ( 5 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 121 وما بعدها ، أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 4 ، 27 ، 32 - 33 ، ابن أيبك الدواداري : الدرة المضية 6 ، 123 - 125 - الذهبي : تاريخ الإسلام 3 ورقة 190 . بيبرس الدواداري : زبدة الفكرة 6 ورقة 204 - 205 ، ابن الجوزي : مرأة الزمان ج 11 ورقات 5 ، 15 ، العيني : المصدر السابق ج 19 ( قسم 2 ) ورقة 233 - 234 ، ابن القلانسي ، ذبل تاريخ دمشق 1 ، ابن الأثير ، الكامل 8 ، 212 ، عبد المنعم ماجد : ظهور خلافة الفاطميين 109 ، جمال سرور : النفوذ الفاطمي في بلاد الشام 18 . ( 6 ) نفسه 1 ، 123 . ( 7 ) القريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 121 ، ابن خلدون العبر ، 4 ، 100 ، ابن أيبك الدواداري ، الدرة المضية 6 ، 125 ، ابن الأثير الكامل 8 ، 212 ، بيبرس الدوادار : زبدة الفكرة 6 ورقة 205 . ( 8 ) ابن أيبك الدواداري : المصدر السابق 6 ، 126 وقد كان رد ملهم على جعفر « هو غلامي وقد وهبته » بيبرس الدوادار : المصدر السابق والورقة ، ويلاحظ أن جعفرا ترك طبرية إلى دمشق ، لأن ملهما أقام الدعوة باسم المعز لدين الله دون أن يشير إلى قتل فاتك . ( 9 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا ، 1 ، 124 س 1 . ( 10 ) نفسه ، 1 ، 123 . أس 17 - 19 ، ابن أيبك الدواداري : الدرة المضية 6 ، 126 ، جمال سرور : النفوذ الفاطمي في بلاد الشام 18 وما بعدها . ( 11 ) نفسه 1 ، 124 . س 1 - 2 . ( 12 ) ابن أيبك الدواداري : الدرة المضية 6 ، 126 - 127 ، المقريزي ، اتعاظ الحنفا 1 ، 124 .