حسن الأمين
101
مستدركات أعيان الشيعة
لم تشر النصوص إلى صفاء الجويين القائدين ، ولذلك لم يطلب جعفر نجدات من جوهر ، كما لم يخف الأخير ، لمساعدته عندما لاحت الأخطار . وكانت هزيمة جوهر بعد ذلك في ميدان الشام بسبب تخاذل كتامة بمثابة الثار الذي استوفاه رجال هذه القبيلة منه لموقفه المعادي لأكبر قادتهم في بلاد الشام ، وكان أبعاده تدريجيا عن مركز النفوذ بعد سنة 364 ه ( 974 - 985 م ) تدبيرا سياسيا خاصا قصد به ترضية أسرة ابن فلاح ، التي استاءت من موت رئيسها في ظروف محزنة ، كما كان بداية لسياسة جديدة بمقتضاها ، بدأ اصطناع وجوه جديدة عوضا عن القادة القدامى الذين استنفدوا طاقتهم وأدوارهم ، وهذه السياسة أدركها جوهر وعبر عنها في قوله للحسن بن عمار الكلبي ، « لكل زمان دولة ورجال ، أنريد نحن أن نأخذ دولتنا ودولة غيرنا » . ( 1 ) وكان ابن فلاح أحد الجعفريين ( 2 ) اللذين مدحهما ابن هانئ شاعر المعز لدين الله في قوله : كانت مساءلة الركبان تخبرني عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر حتى التقينا فلا والله ما سمعت أذني بأحسن مما قد رأى بصري وبما أن ابن هانئ قد قتل غيلة في برقة ، أي لم يقدر له اللقاء بابن فلاح في مصر ، فضلا عن بلاد الشام ، فان المؤكد على كل حال أن يكون مدحه له في فترة مبكرة ، دليلا على ظهوره في الميدان السياسي والعسكري كشخصية قوية في عصر المعز لدين الله وذلك قبل أن يشترك في الحرب في ميدان مصر والشام ، وكان اللقاء بين الشاعر والقائد قد تم في أرض المغرب تأكيدا حسب إشارة الشاعر نفسه . ( 3 ) وما أشار إليه ابن هانئ عن قيمة جعفر بن فلاح ، أكدته بعض النصوص التي أوضحت بان ابن فلاح لم يكن فقط قائدا عسكريا ماهرا وإنما كان أيضا شاعرا قديرا له عواطف رقيقة خاصة تجاه أهل البيت حتى أن عدوه القرمطي بكاه بعد قتله ، تأثرا واعترافا بقيمته . ( 4 ) ولعل هذه الاعتبارات جميعها تؤيد ما نعتقده من ظهور جعفر بن فلاح في ميدان المغرب قائدا كبيرا لا تقل أهميته عن زيري بن مناد ، ولا عن جوهر الصقلي ، الذي حظي بالقيادة العليا في المغرب وفي مصر ، عن غير اقتناع من القائد الكتامي الذي حاول من مركزه في بلاد الشام أن يبرهن للخليفة المعز لدين الله على أنه أهم من غيره إخلاصا للنظام ونجاعة عند الأخطار . وقد لا يبعد عن الصواب القول بان الخلفاء الفاطميين بعد الذي جرى لهم مع كتامة أصبحوا يحتاطون من طموح قادتهم ويجاهدون من أجل إبعادهم عن مراكز التوجيه العليا ، خوفا على سلطانهم أن يتأثر لأن كتامة يدلون على الخلفاء بسبب دورهم التاريخي في نصرة الحركة الفاطمية وكونهم أقدم عهدا بها إذا قيسوا بطبقة الفتيان الصقالبة الذين كانوا غرباء عن البيئة ومفتقرين إلى التاريخية وإلى العصبية ومن ثم كانت لا تطمح نفوسهم إلى شيء مما تطمح إليه نفوس الكتاميين ، وكانوا يرضون دائما بدور التابع الذليل ، ولذلك استصفاهم الخلفاء واعتمدوا عليهم اعتمادا كليا حتى بلغ منهم قيصر ومظفر مكانة كبرى في عصر المنصور والمعز ، ومثلهما جوذر الذي كان مستودعا لثلاثة خلفاء وناب عن المنصور في تسيير سياسة الدولة وكان عمدة المعز في التعرف على سير الحياة السياسية والإدارية ، ولو امتد به العمر لكان له شان كبير في مصر وقد هم المعز لدين الله باستخلافه على بلاد المغرب بعد رحيله لولا امتناعه ، ورغبته في البقاء إلى جانبه في مصر كما أشرنا . وظواهر التجديد في القيادة واصطناع الوجوه الجديدة والتركيز على من لم تكن لهم عصبية سارت مع الخلافة الفاطمية منذ قيامها في بلاد المغرب حتى سقوطها في نهاية الأمر . ( 5 ) ويرتبط بشخصية جعفر بن فلاح ، تحقيق اسمه الكامل ، فقد جاء في أغلب المصادر التي أشارت إليه مختصرا ، أي على النحو التالي « جعفر بن فلاح الكتامي » . ( 6 ) ويضيف بعضها إليه كنية أبي علي ، لأن أحد أبنائه يعرف بهذا الاسم . ( 7 ) بينما تذكر بعض النصوص كنية أخرى لهذا القائد فهو أبو الفضل ، ( 8 ) وهو فيما يبدو اسم أحد أبنائه الذي توفي في مصر وحضر جنازته كبار رجال الدولة بما فيهم القائد جوهر ، ( 9 ) لأنه لم يظهر له دور ما في مصر أو بلاد الشام على عكس إخوته علي ، وإبراهيم وسليمان ، ونجد اسمه أكمل من ذلك في بعض النصوص التي تشير إلى جده ، أبي مرزوق . ( 10 ) ولما كانت بلاد الشام بحكم كونها منطقة نفوذ للأخشيديين وآلت نظريا ، وعن طريق الإرث بعد تصفية نظامهم في مصر إلى الفاطميين ، وفي
--> ( 1 ) المقريزي ، الخطط 1 ، 379 . وقد جرى ذلك عندما أمر الجميع بالترجل لمنجوتكين وظهر الانفعال والتأثر على القائد الكلبي الذي زفر زفرة كادت تتقطع لها نياط قلبه . ( 2 ) وعن جعفر بن علي بن حمدون الأندلسي أمير الزاب : انظر : ابن خلكان : وفيات الأعيان 1 ، 311 . وفيه يقول ابن هاني . ويا ملك الزاب الرفيع عماده بقيت لجمع المجد وهو فريق على ملك الزاب السلام مرددا وريحان مسك بالسلام فتيق ( 3 ) أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 4 ، 31 هامش 3 . ابن خلكان : المصدر السابق 1 ، 112 ، 113 ، ابن الأبار ، الحلة السيراء ، 434 . ط . بيروت 1962 . الجيلاني : المرجع السابق 1 ، 118 ، العيني : عقد الجمان 19 ( ق 2 ) ورقة 247 - 248 . ( 4 ) أبو المحاسن : النجوم 4 ، 33 ، 58 - 59 ، الذهبي : المصدر السابق 3 ورقة 190 ، العيني : المصدر السابق والورقات ، وقد نسب إليه شعر وجهه إلى يعقوب بن كلس منه : ولي صديق ما مسني عدم مذ نظرت عينه إلى عدمي أعطى وأفنى ولم يكلفني تقبيل كف له ولا قدم ( 5 ) واعتماد الخلفاء على الأسر الكبيرة كان ظاهرة أخرى خاصة في بلاد المغرب ، ومن هذه الأسر ، وأسرة ابن خنزير وأسرة الكلبين ، وأسرة النعمان وأسرة ابن أبي المنهال ، وأسرة ابن الفلاح وأسرة ابن ثعبان . وبعض هذه الأسر امتد نشاط أفرادها إلى مصر وبلاد الشام ، وكان القدر المشترك بين هذه الأسر أو عنصر الوحدة هو الولاء للخليفة الفاطمي ، الذي ينتمي إلى عترة الرسول ( ص ) . ( 6 ) ابن عذاري 1 ، 315 - 316 . ابن خلدون : العبر 4 ، 100 - 101 ، المقريزي الخطط 1 ، 378 ، الزركلي : الأعلام 6 ، 71 . حسن إبراهيم : الدولة الفاطمية 135 هامش 1 . عمر كمال توفيق : العدوان الصليبي على الشرق 69 ، عبد المنعم ماجد : ظهور خلافة الفاطميين 109 94 . P , 2 . E . I . ArtFatimides , T ( 7 ) ابن خلكان : المصدر السابق 1 ، 113 ، الجيلالي : المرجع السابق 1 ، 317 ، ( نقلا عنه ) ط ثانية 1965 . ( 8 ) ابن الأبار : الحلة السيراء 434 ترجمة رقم 145 . ( 9 ) المقريزي : اتعاظ 1 ، 118 س 3 . ( 10 ) نفسه 1 ، 120 س 4 . ومما يلاحظ أن ابن عذاري 1 ، 263 ، أشار إلى قائد باسم قمون بن فلاح . أما نسبة جعفر بن فلاح لفرع من بين فروع كتامة ، فتبقى لغزا محيرا ، غير أنه لا يستبعد أن يكون من بين عناصر مسألته أو دنهاجة الدين هاجروا إلى مصر باعداد ضخمة وعرف من بينهم قادة كثيرون استأصل منهم الحاكم بأمر الله مجموعة والحق بهم علي بن جعفر بن فلاح في ظروف غامضة .