حسن الأمين
97
مستدركات أعيان الشيعة
وغسلهم وتكفينهم ودفنهم ، ورجع إلى داره بالقصر ، وجلس للعزاء بهم ، وحضرهم الناس وعليهم ثياب الحزن . وهذا من أعجب تلون هذا الرجل - يعني الحاكم - فإنه كان متناقض الأحوال متباين الأقوال والأفعال . واتفق أن حضر بمصر جماعة من شرفاء الحجاز على عادة لهم كانت لهم بالحضور بمصر للاستجداء وطلب الصلة ، فوصلهم الحاكم بما جرت عادتهم ، وخرجوا إلى ظاهر القاهرة مبرزين قصدا للعود إلى بلادهم ، وبلغ ذلك أبا القاسم فسير من اشترى له مهريا مثل جمالهم ، ولبس لبسهم ، وخرج حتى اختلط بهم وهو متلثم ، وخرج الحاكم لوداعهم ، فتقدموا إليه وخدموه واستأذنوه في الرحيل ، فقال لهم : امضوا على بركة الله . وكان في من تقدم إليه أبو القاسم ، فلما رأى مشيته قال لواحد من جانبه : ما أشبه مشية هذا الشريف بمشية ابن المغربي ، ورحلوا ورحل معهم . قال الصاحب : فبلغني أن ابن المغربي فارق الجماعة وجلس في جبل المقطم بموضع يقال له الجبل الأحمر ، حتى ركب الحاكم على عادة كانت له منفردا مع غلامين له إلى ذلك الجبل ، فلقيه أبو القاسم في جماعة ممن كان يثق إليهم ، وقد خرجوا إليه معدين ، فلما رآهم الحاكم خاف واستشعر ، وعرف أبا القاسم المغربي فقال له : يا أبا القاسم ، غدرت بك ، فقال : لا بأس عليك ، وإنما أحببت أن لا أفارقك حتى أواقعك على غدرك ، ما أعطيتني موثقا من الله أن لا تسيء إلى تلك الحرمة المسكينة ؟ ! فقال : حملني الغضب عليك لكونك فارقتني بغير إذن ، وقد حلفت ألا تفعل إلا بامري وإرادتي : فقال له : أما أنا فما فارقتك حتى استأذنتك ، فقال له : ومتى استاذنتني ؟ قال : في يوم كذا لما أذنت للشرفاء ، فاني تقدمت حتى سمعت خطابك وأنت تقول : امضوا مصاحبين على بركة الله ، فدخلت في العموم ، فقال له الحاكم : إذا كنت قد خرجت من هذه بحجة ، فلك علي عهد الله أن أطلق أختك وألحقها بك ، فتركه المغربي وتوجه إلى العراق ، ورجع الحاكم إلى القاهرة ، وجهز خلفه من يرده فلم يظفر به حتى لحق ببني الجراح وأغراهم بخلع الحاكم . . . ( قلت : وهذه قصة تنطوي على عجائب وغرائب ، ولعل للخيال نصيبا وافيا فيها ) . - 6 - يستفاد مما ذكره ياقوت أن ابن المغربي تسلم الأمان من الحاكم فكان أن أخذ رقعة وكتب فيها : أأنشب كفي في الرحى ثم أرتجي خلاصا لها إني إذن لرقيع - 7 - أنشد أبو القاسم المغربي حال خروجه من مصر : ونفسك فز بها إن خفت ضيما وخل الدار تندب من بكاها فإنك واجد أرضا بأرض ولست بواجد نفسا سواها ( قلت : ولعله تمثل بهما ، فلم أجد من نسبهما إليه ) . - ب - سقط من الرسالة التي كتبها إلى رئيس اليعاقبة حين أسلم ، وهذا نصها : بسم الله الرحمن الرحيم : كتبت إلى الشيخ الجليل - أطال الله بقاءه - وهذا دعاء من حقق الله رجاءه إذ كان من سبقت له الحسنى ، وأدرك من شرف الآخرة المنى ، فكل يوم من أيامه دهر سعيد ، وكل وقت من أوقاته أمد بعيد ، ولأن من كان اهتداؤه تذكرة للمهتدين فهو شريك في أجور أعمالهم وقسيم في ثواب أفعالهم ، وكان عمره قد اتسع لعبادة طالت أيامها ولياليها ، وكان أمده قد انفسح لطاعة أنجحت أسبابها ودواعيها ، فهو لذلك مكتهل في أول فتائه ، ومذكور بالتعمير منذ ابتداء زمانه ، حتى إذا تهادت به خطى المهل المعلوم ، إلى غاية الأجل المحتوم ، كان الحي المرزوق عند بارئه ، المخلد المحبو بما قدم من مساعيه ، وكان : حبل حياته مبرم ، وسلك بقائه منظوم لم ينتثر ، وأثره جديد لم تعفه الأيام ، وخيره قريب لم تنسه الأفهام ، وشخصه ملموح بأعين البصائر ، وحديثه ملتقط باسماع الضمائر ، وعهده دان وإن بعد ميقاته ، وزمنه مستقبل وإن مضت أوقاته ، والصالحات عنه باقية نورا في وجه الزمان ، وسرورا في قلب الايمان ، وتلك صفات الشيخ الجليل - أطال الله بقاءه - إذ كان من لزمه حق رام قضاءه ، وتعين عليه فرض حاول أداءه ، وحدثت له منه - أدام الله تأييده - أخوة لطيفة بادر إلى وصالها ، ونشأت بينه وبينه رحم سريعة قابلها ببلالها ، وجمعته وإياه أنساب لا يجمل عقوقها ولا تضاع حقوقها ، وأدنته إليه أواصر أحكمت يد الإسلام عقودها ، وأكرمت ذمة الايمان عهودها ، فأسكن بها التقى روحيهما جسما ، واستودع الهدى قلبيهما صدرا ، وصارت كلمتاهما متفقتين وإن بعدت الديار ، ودعوتاهما مؤتلفتين وإن اختلف النجار ، وسقياهما من ماء واحد وإن تباين المحتدان ، ومصدرهما عن نمير واحد وإن تشعب الموردان ، ورتوعهما في رياض الملكوت ، ورجوعهما إلى موعد الجزاء الموقوت . وعلى أني لو وفيت هذه الأواخي حقها ، وأعطيت هذه الوسائل وفقها ، لكان السفر أقل ما يقتضيه الدين لمشاهدة نعمة الله تعالى على الإسلام وأهله بمكانه ، وأدلة الحق على الكرم وذويه ببرهانه ، فان التكرمة في ذلك لو وفرت عليه لكان لها موضعا ، ولما يزيد عليها مجمعا ، فكيف وهي مقسومة بين أهل الملة ، وموزعة على أعيان هذه النحلة ، إذ كان مكانه - أدام الله تأييده - من عموم الشرف عليهم ، وانتشار الفضيلة فيهم موضع الدليل من إطلاق لسان المستدل ، والبرهان من إعلاء كلمة الخصم المدل . ويعلم الله ما ورد علي وعلى كافة من حضرني من المسلمين . . . إلى آخره ( 1 ) الشيخ حميد السماوي ابن الشيخ أحمد . ولد في السماوة ( العراق ) سنة 1315 ونشا فيها ، ثم هاجر إلى النجف [ الأشراف ] الأشرف للدراسة ثم عاد إلى السماوة مرجعيا دينيا فيها ، فكان ذا أثر محمود في سيرته وتوجيهه . ومن هنا غلبت عليه الصفة الدينية وتوارت شاعريته وراء مسلكه في التعامل مع الناس في شؤونهم اليومية ومشاكلهم الحياتية ، فلم يشتهر شاعرا مع أنه كان في الطليعة من شعراء العراق المبدعين في عصره . توفي سنة 1384 . شعره قال بعنوان الطائرة : قيثارة العلم الصريح ودمية الفن الصراح
--> ( 1 ) تتمة ذلك قد ورد قبلا ، انظر الرسالة رقم : 9 .