حسن الأمين

66

مستدركات أعيان الشيعة

وشكوا ما يفعله بهم النهر سابسي ، فرأى الخليفة القادر بالله أن يقوم بالإصلاح بينهم مراعاة للوزير المغربي لأن النهر سابسي كان صديقه وابن أبي طالب كان صهره ، ولكنهم حين عادوا استعان كل فريق منهم ببني خفاجة ، ونشب بينهم قتال ظهر فيه العلويون وقتل من العباسيين ستة نفر وأحرقت دورهم . عندئذ أمر الخليفة بتنحية ابن أبي طالب عن نقابة الكوفة وولاها المختار ، فغضب الوزير المغربي لما حل بصهره واستنكره ، وكان عندئذ بسر من رأى عند قرواش ، وحاول أن يتعدى على أرجاء كانت للخليفة ، فأرسل الخليفة رسولا إلى قرواش يأمره بابعاد المغربي ، ففعل ( 1 ) 8 - إلى أين توجه هذا الوزير الذي يثير المشكلات أينما حل ؟ لعل من أغرب الأمور أن وجد نفسه يعود إلى ديار بكر وإلى صحبة نصر الدولة . وموضع الغرابة لا أنه احتجن أموالا كثيرة كما ذكر موسك ، فذلك أمر قد تسامح فيه نصر الدولة ، وإنما موطن الغرابة أن نصر الدولة كان يؤمن أن الوزير بارع في الشر بل إنه لا يحسن غيره ( 2 ) ، وأنه كذب عليه ليؤمن لنفسه الهرب من عنده ، فبأي وجه يلقاه الوزير وباي وجه يتلقاه الأمير ؟ إن عودته إلى ديار بكر - إن كان قد عاد لتسلم الوزارة - لتؤكد شيئا واحدا وهو أنه على الرغم مما كان يؤخذ عليه من تحيل كان يتمتع بكفاية تؤهله لمنصب الوزارة ، وكان من يعمل معهم يتجاوزون عن سيئاته بشفاعة فضائله . ولكن يبدو أنه في بادئ الأمر طرح نفسه على نصر الدولة لاجئا أو ضيفا وقد تلقاه هذا بالإكرام وأقطعه ضياعا جليلة تكفيه وتكفي من وصل معه من الحاشية والاتباع ( 3 ) ، ولكن لم يلبث إلا قليلا حتى تأكدت الحاجة إليه . ففي سنة 416 توفي وزير نصر الدولة أبو القاسم خواجا صاحب أرزن ، فاستوزر نصر الدولة أبا القاسم المغربي ورد الأمور إليه ( 4 ) ، وعلى الرغم من أنه أقام في هذه المرة قرابة ثلاث سنوات ، فان أخباره بالنسبة للفترة التي أقامها تعد ضئيلة . وأوضح هذه الأخبار تردده على نصيبين ، والفضل في ذلك الوضوح يعود إلى تلك المحاورات بينه وبين مطران ذلك البلد . وقد دخل الوزير المغربي إلى نصيبين لأول مرة يوم الجمعة 26 جمادى الأولى ( 417 / حزيران 1026 ) فزاره مطران نصيبين إيليا المعروف بابن السني للتهنئة ، فاستبقاه حين أراد أن ينصرف وأنسه ، وساله عن أحواله ، ثم جرت محاورات بينهما في سبعة مجالس بين السبت 27 جمادى الأولى 417 ، وحتى 10 جمادى الآخرة من السنة نفسها ، سال فيها الوزير عن عقيدة النصارى في الأقانيم الثلاثة وكيف يمكن وصف ذلك بالتوحيد ، وكيف يمكن للنصارى أن يدفعوا قول الله فيهم * ( ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) ) * وعن علة الناس في محبة أديانهم ، وهل يتحقق المرء صحة دينه أو مذهبه من جهة العقل أو من جهة المعجزة . ويدور المجلسان السادس والسابع حول أسئلة عن المقارنة بين نحو السريان ونحو العرب وعلم اللغة عند الفريقين واستعمال المجاز عندهما ، والمفاضلة بين الخط السرياني والخط العربي ، وبين علم الكلام هنا وهنالك ، وعن اعتقاد النصارى في أحكام النجوم ، وعن اعتقاد النصارى في المسلمين ، وعن اعتقاد النصارى في النفس . وبما أن مطران نصيبين هو الذي كان يتولى الإجابة فإنه أعطى نفسه دورا كبيرا في الشرح والتوضيح مما يجعل الوزير يسلم له معجبا ، فاما ما يتعلق بالأقانيم الثلاثة وما يتصل بها فمن الواضح أنه يشرح عقيدة النساطرة ، وهي قريبة الشبه بما عند المسلمين ، وأما في الأسئلة التي قد ينجم عن الإجابة عليها التورط فيما يمس السيادة الإسلامية فان أجوبة المطران تنهج نهجا بارعا في حسن التأويل والتخلص من المأزق ، غير أنه واضح العصبية لكل ما هو سرياني من نحو ولغة وخط وعلم كلام . وقد شمل الحوار أمورا لا تتصل بالدين ، كذلك تحدث معه في آخر ثلاثة أيام قضاها في نصيبين في الزيارة الأولى في مسائل تتعلق بأخلاق النفس وآداب الرهبان والزهاد والعلوم العقلية ، وليت المطران دونها إذ كان جل الفائدة فيها ، لا في الأمور الجدلية . ثم عاد الوزير إلى نصيبين دفعتين أخريين كانت الأولى منهما يوم الخميس الثامن من ذي القعدة ، وفي هذه الزيارة أقام خمسة وعشرين يوما ( 5 ) ، وكان في صحبة أبي نصر صاحب ديار بكر ، ولقي صاحبه المطران إيليا وباحثه في مسائل عدة تتناول اعتقاد اليهود وتاريخ آدم وغيره من التواريخ وتغيير اليهود لها والآثار العلوية . وكانت الزيارة الثالثة يوم الأحد 17 جمادى الأولى من العام 418 . وقد أقام الوزير في زورته الثالثة لنصيبين عشرة أيام ثم عاد إلى ميافارقين وجاءته دعوة من بغداد للعودة إليها وتولي الوزارة فيها ، فاستأذن نصر الدولة في ذلك فاذن له . وهذه الرواية تبطل الرواية التي أوردها ابن الجوزي وكررها السبط وخلاصتها أن الوزير اعتزل السلطان وانقطع للعبادة فقيل له : لو تركت المناصب في عنفوان شبابك فقال : « كنت في سفرة البطالة والغي . . الأبيات » ولعل هذه الرواية نشات بعد أن ذهب إلى ميافارقين وقضى مدة وهو دون عمل . غير أن اشتداد المرض عليه حال دون ذهابه لبغداد ، ووافته منيته في اليوم الحادي عشر من رمضان سنة 418 عن عمر بلغ ستة وأربعين عاما . ويقال إنه حين أحس بالموت كتب كتبا عن نفسه إلى كل من يعرفه من الأمراء والرؤساء الذين بينه وبين الكوفة يعرفهم أن حظية له توفيت ، وأنه قد أرسل تابوتها إلى مشهد الإمام علي ، وأنه يسألهم مراعاة من مشوا في صحبة التابوت . ولما توفي سار به أصحابه ، وسار من بلغ الرسائل إلى أصحابها ، فلم يعرض أحد لتابوته ودفن بالمشهد كما طلب ( 6 ) في تربة مجاورة للإمام علي ، وأوصى أن يكتب على قبره ( 7 ) : كنت في سفرة الغواية والجهل مقيما فحان مني قدوم تبت من كل مأثم فعسى يمحى بهذا الحديث ذاك القديم بعد خمس وأربعين لقد ما طلت إلا أن الغريم كريم وذكر صاحب تاريخ ميافارقين أنه كتب إلى النقيب بالكوفة ليدفنه في عتبة باب المشهد وقال للنقيب : قد أوصيت أن يجعل في التابوت ألف دينار ( 8 )

--> ( 1 ) تاريخ ابن الأثير 9 : 336 . ( 2 ) بغية الطلب 2 : 64 . ( 3 ) بغية الطلب 5 : 26 . ( 4 ) مرآة الزمان 12 : 47 . ( 5 ) في النسخة الخطبة : خمسة وخمسين يوما . ( 6 ) وعند ابن خلكان 2 : 176 في الثالث عشر من رمضان . ( 7 ) تاريخ ابن الأثير 9 : 362 ومرآة الزمان 12 : 47 والمنتظم 8 : 33 . ( 8 ) ابن خلكان 2 : 176 وانظر المقطوعة رقم : 95 والمنتظم 8 : 33 .