حسن الأمين
56
مستدركات أعيان الشيعة
الزمان ، والثاني يجعله صاحب ديوان السواد ، والثالث يجعله جليسا للحاكم ، فأين تقع الحقيقة من خلال هذه الأخبار ؟ لا معنى للخبر الأول في رأيي لأنه ليس هناك ديوان اسمه « ديوان الزمان » وأقرب ما هنالك إلى تصويب هذا النص أن نقرأ « ديوان الزمام » وهو ديوان نشا في الدولة العباسية حوالي سنة 162 في خلافة المهدي إذ يذكر الطبري أن المهدي وضع في ذلك العام دواوين الأزمة . وكان عمل ديوان الزمام - في أصل نشأته - الاشراف والرقابة على أعمال الدواوين ذات العلاقة بأمور الأموال من واردات ونفقات ( 1 ) ، ويبدو أن هذا الديوان بهذا الاسم لم يكن موجودا في العصر الفاطمي بمصر ، وأن الذهبي - إن صح التصويب - يستعمل مصطلحا عراقيا للدلالة على شيء مشابه ، وأقرب مصطلح إليه « نظر الدواوين » أو « ديوان النظر » ( 2 ) ، فإن لم يكن الأمر كذلك فلنا أن نعتبر « ناظر ديوان الزمان » لقب تشريف وتعظيم كان نقول في وصف أحدهم « ناظر عين الزمان » أو ما أشبه . وأما الخبر الثاني فيتحدث عن ولاية « ديوان السواد » وديوان السواد يلحق بالعراق ، بل هو يعني ديوان العراق بعد استحداث ثلاثة دواوين هي ديوان المشرق وديوان المغرب وديوان السواد تنضوي تحتها فئات الدواوين المختلفة . وليس من المعقول أن يكون متولي ديوان السواد موجودا بمصر ، وعلى هذا يكون اسم الديوان هنا محرفا أيضا . فإن لم يكن كذلك ، فهو ترجمة لمصطلح عراقي آخر ، ولعله يقابل « ديوان الضياع » أي هو ديوان يتولى أمور الاقطاعات الفاطمية ببلاد الشام ، التي يمكن أن يطلق على أجزاء منها « سواد الشام » ( 3 ) . ويتحدث الخبر الثالث عن مجالسة الحاكم دون الارتباط بوظيفة معينة ، وهذا شيء لا يتطلب توقفا أو تفسيرا ، فقد كانت علاقة أبيه وعمه بالدولة الفاطمية طيبة ، وما كان غضب العزيز على أبيه إلا غضبا عابرا ، وبحكم تلك العلاقة كان في إمكان الحسين أن يذهب إلى قصر الخلافة في صحبة أبيه أو عمه ، وأن يتعرف إلى الخليفة ، وأن تقدمه إليه ثقافته وعلمه بالإضافة إلى مكانته الاجتماعية . وقد احتفظت لنا المصادر بخطبة قام بها بين يدي الحاكم ( رقم : 15 ) وأكبر الظن أن هذه الخطبة كانت سنة 391 لأن فيها إشارة إلى ملك الروم الذي « خرق إزار السلم وهتك حجاب الأمن » . وذلك أن ملك الروم في أواخر سنة 389 نزل على شيزر فأخذها وانتقل إلى حمص فأخذها أيضا وسبى وأحرق ( 4 ) وفي سنة 391 وصل رسول من ملك الروم ، وكان له استقبال حافل ، وإلى ذلك تشير الخطبة « فعاد يفتل حبل الهدنة ويمد إليك أمير المؤمنين كف الرغبة » ، وفي الخطبة تحريض على الجهاد ، ولكن الأهم من ذلك في الحديث عن سيرة الحسين أنه ختم الخطبة بالالتفات إلى نفسه « عبدك ووليك ابن أوليائك » وفيه يؤكد أن الحسين حتى ذلك التاريخ كان يرنو إلى منصب في الدولة كان يعين مذكرا للجيش ، أو خطيبا بحضرة الحاكم ، إن لم نفترض أنه كان يطمح إلى الترقي من منصب دان إلى منصب أسمى منه . ومهما يكن من شيء فان الروايات الثلاث أخذت تتقارب ، إذ يبدو أنه بعد هذه الخطبة نال منصبا في أحد الدواوين ، أيا كان ذلك الديوان ، أهو ديوان الزمام أو ديوان الضياع أو ديوان الخراج ، وأن المنافسة بدأت بينه وبين ابن عبدون وشارك فيها أبوه ، وبدأت المكايدات والوقائع تتصل ، وظل الأمر على ذلك حتى سنة 399 ، ففي أول ذلك العام انفرد ابن عبدون بالنظر في ديوان الخراج دون شريك ( 5 ) ، ومعنى ذلك أن ابن المغربي فقد منصبه ولكنه لم يكف عن « الوقيعة فيه ( في ابن عبدون ) والكلام عليه وعلى الكتاب النصارى إلى أن قبض على جماعتهم ، فلما حصلوا في القبض أمر الحاكم بان يضرب كل واحد منهم خمسمائة سوط ، فان مات رمي به للكلاب وإن عاش أعيد ضربه إلى أن يموت » ( 6 ) . وفي الوقت نفسه لم يكن منصور بن عبدون أقل شراسة وحقدا في تحريض الحاكم على بني المغربي وإغرائه بهم وحثه على قتلهم ، فتقدم الحاكم إلى السياف - وهو جعفر الصقلبي - وأمره أن يحضر عليا ومحمدا ابني المغربي ويدخلهما الحجرة ويضرب أعناقهما ففعل ، ثم أمره بقتل الحسين وأخويه محمد والمحسن ، فاستتر الحسين وأخذ أخواه وقتلا ( 7 ) ، وكان ذلك لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربعمائة ( 8 ) . هل كانت الخصومة بين آل المغربي وابن عبدون هي السبب الوحيد الذي أدى إلى هذه النهاية الفاجعة ؟ نستطيع أن نفترض عدة أسباب كان نقول مثلا إن طول العشرة جعل بني المغربي ذوي إدلال على الخلافة ، يرون لهم فضلا عليها ، وأن الوشايات ضدهم أصبحت لدى الخليفة سهلة التصديق . وقد نقول إن جانبا من التصريحات التي كان يطلقها الحسين ، محملة بطموحه المتصاعد كانت تلقى على أذن الخليفة ، وأنها حين تكاثرت ضاق بها ذرعا ، والخبر عن الغلو في الطموح لدى الحسين قابل للتصديق بسهولة ، وإن رواه شخص حاقد . فقد روى ابن القارح أن الحسين قال له ذات يوم : ما نرضى بالخمول الذي نحن فيه ، فقال ابن القارح : وأي خمول هنا ، تأخذون من مولانا - خلد الله ملكه - في كل سنة ستة آلاف دينار ، وأبوك من شيوخ الدولة ، وهو معظم مكرم ، فقال الحسين : أريد أن تصار إلى أبوابنا ( بغية الطلب : دواويننا ) الكتائب والمواكب والمقانب ، ولا أرضى بان يجرى علينا كالولدان والنسوان . وأبلغ ابن القارح هذا الموقف إلى علي والد الحسين فقال : ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه ( وقبض على لحيته وهامته ) . ويبدو أن تفجر نفس الحسين بالتعبير عن هذا الطموح كان ظاهرة متكررة ، فقد روى ابن القارح أن أباه قال في مناسبة أخرى . « أنا أخاف همة أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا وردا لا صدر عنه » ( 9 ) وقد نقول إن هذا الطموح ارتقى - بعد الحرمان من المنصب - إلى درجة الثورة ، ولعل هناك إشارة إلى ذلك في موقف تم بينه وبين ابن القارح ، حين استدعاه ليلعنه في وجهه ، فقال ابن القارح : ولم ؟ قال :
--> ( 1 ) الدكتور مصطفى الحياري : الدواوين من كتاب الخراج ( مقدمة المحقق ) : 42 ، 43 . ( 2 ) الموسوعة الإسلامية 2 : 329 ( الطبعة الثانية بالإنجليزية ) . ( 3 ) لنا أن نستانس بقول ابن المغربي يخاطب الجيوش بالرملة : « والرأي أن تبادروا وتنادوا في السواد ، وتسمعوا الشراة في الجبال بإباحة النهب والغنيمة » ( ذيل تجارب الأمم : 235 ) . ( 4 ) اتعاظ الحنفا : 2 : 32 . ( 5 ) اتعاظ الحنفا : 2 : 76 . ( 6 ) ذيل تاريخ دمشق : 61 - 62 . ( 7 ) ذيل تاريخ دمشق : 62 . ( 8 ) أخبار الدول المنقطعة : 48 . ( 9 ) رسالة الغفران : 53 وبغية الطلب 5 : 18 .