حسن الأمين

57

مستدركات أعيان الشيعة

لمخالفتك إياي فيما تعلم ( 1 ) فهل كانت تلك المخالفة تتعلق بشيء من ذلك ؟ إن هنا غموضا مقصودا ، قد يقوي الظن بان الحسين كان يدبر شيئا ولكن مخالفة ابن القارح له أفسدت عليه خطته . وقد نربط بين مقتل آل المغربي ومقتل جنادة الهروي وصديقه المقرئ ، لاتصال أسبابهما بأسباب الحسين وأبيه ، ونتخيل وجود مؤامرة واسعة الأطراف قضى الحاكم على عناصرها تباعا . أو لعلنا أن نردد ما قاله أحد المصادر وهو أن الحاكم إنما غضب من ابن المغربي وأمر بقتله « لأنه كان يضرب بينه وبين وجوه دولته » ( 2 ) . وإذا سلمنا بذلك وجدنا أنه قد يعلل غضبه على الحسين ، فلم شمل الغضب سائر أهله ؟ 3 - الثورة في الرملة بقي ابن المغربي مختفيا منذ الثالث من ذي القعدة حتى الثاني عشر منه ( 3 ) ( عام 400 ) حين أتيح له أن يخرج متنكرا في زي جمال ( 4 ) ، برفقة قافلة من الأعراب ، مجتازا شبه جزيرة سينا إلى فلسطين ، وقيل إن الحاكم بعث من يطلبه فلم يدرك ( 5 ) وحين وصل الرملة نزل بحلة حسان بن المفرج بن دغفل بن الجراح واستجار به فاجاره ، وأنشده قصيدة يثني فيها عليه وعلى قبيلة طيئ بعامة : يا طيئ الخيرات بين حلالكم أمن الشريد وهمة الطلاب سمكت خيامكم باسنمة الربى مرفوعة للطارق المنتاب ثم يصف الذعر الذي تلبس به حتى ضاق به عليه إهابه ، وأنه مذ حل في ديار بني الجراح قد عرف معنى النوم والطمأنينة ، فلما سمع حسان منه هذه القصيدة هش له وجدد تعهده بحمايته ، وسكن من روعه . كانت قبيلة طيئ تؤازر القرامطة في أول الأمر ، ولذلك فان هؤلاء حين استولوا على الرملة سنة 360 عينوا لها حاكما منهم وجعلوا معه دغفل بن الجراح جد حسان ، ومنذ ذلك التاريخ وجدت الامارة الطائية التي تغلبت على معظم القسم الجنوبي من بلاد الشام ، ولهذا عملت الدولة الفاطمية على استمالة طيئ وفصلها عن الحركة القرمطية وعلى ضمان ولاء طيئ لتساعد الدولة في تثبيت سلطانها على ما استولت عليه من بلاد الشام ، وفي الوقت نفسه بذل الفاطميون كل جهد للحيلولة ، دون استقواء طيئ ، بحيث تصبح قوة تهدد الوجود الفاطمي في الشام . وكانت خطة الفاطميين اكتساب تلك القبيلة بالأموال والاقطاعات ، ولكن رغبة الدولة الفاطمية في إبقاء طيئ في حدود التبعية والضعف كثيرا ما حفز تلك القبيلة إلى مساندة بعض الحركات المناوئة للفاطميين ( 6 ) . لعل صورة هذا الوضع كانت واضحة تماما في ذهن الحسين ، حين وجه وجهه صوب الرملة ، كان في طلبه الجوار يلوذ بقيم عربية معروفة ، ولكن نفسه كانت تنطوي على ما هو أبعد من الاطمئنان الهادئ إلى حماية شيخ ذي نفوذ واسع ، كانت نفسه تجيش بالانتقام ، والقضاء على الحاكم . وبعد أن كفكف من دموعه على إخوته وأبيه وعمه ، وأذكرته مصارعهم الطف وكربلاء ( المقطوعة : 96 ) وكيف خلت منهم محاريب المساجد ، بعد هذا أخذ يفتل لأعدائه حبال مؤامرة كبيرة محكمة . ولعله لم تكن لديه خطة معدة مرتبة المراحل ، بل كان يستمد من حقده الشديد على الحاكم ما يستشير ذكاءه لاغتنام كل فرصة تلوح لاحكام المؤامرة وتوسيع نطاقها . كانت الخطوة الأولى - بطبيعة الحال - أن يسكب ثقة حسان بن المفرج ، وهو في الوقت نفسه يكتشف مواطن الضعف فيه ، ويتأتى بكل لباقة لإفساد نفسه على الحاكم . ولعله في بادئ الأمر استثار عاطفته ممتزجة باستنكاره وامتعاضه لما ارتكبه الحاكم من فظائع وشرور ، لا بقتل آل المغربي وحسب ، بل بقتل الكثيرين من الناس ، وإذن فهو خليفة لا يؤمن جانبه ، وخطره على الامارة الطائية وعلى حسان وأهله محقق وشيك . وتضطرب الروايات بعض اضطراب في تسلسل الأحداث ، وفي كيفية استغلال ابن المغربي لها إعدادا للثورة وقطعا لروابط التفاهم بين بني الجراح والفاطميين . هل كان الصدام بين بني الجراح وجيش الفاطميين أولا ثم تبع ذلك اللجوء إلى سند جديد وخلافة جديدة ؟ أم كان الأمر بالعكس ، أي بدأ البحث عن خليفة بديل ، فاغتاظ الحاكم وأرسل جيشا لتاديب العصاة ؟ إن هذا الاضطراب في الروايات سرعان ما يزول إذا أخذنا بالرأي القائل : إن حملة يارختكين لم تكن موجهة ضد آل الجراح منذ البداية ، ولكن الظروف حولتها كذلك . وهذا يعني أن تسلسل الأحداث تم على الوجه الآتي : 1 - كانت الجيوش الفاطمية قبل بضع سنوات قد عانت كسرة عند باب حلب على يد بسيل ملك الروم . ولهذا جهز الحاكم جيشا بقيادة مملوك كان لأبيه العزيز اسمه يارختكين ( يا روخ تكين ) . فخرج هذا القائد من مصر في عدد قليل إذ كان معولة على الجيش الفاطمي في الرملة وعدده خمسة آلاف . وكان الحاكم قد أوصى وجوه القواد بابداء كل آيات التبجيل والاحترام ليارختكين وأن يترجلوا في موكبه . وكان من جملة من أمروا بخدمته علي ومحمود ابنا المفرج بن الجراح وأخوا حسان ، فجاءا إلى أبيهما وعرفاه أنهما يرفضان ذلك النوع من الاذلال في خدمة يارختكين ، وحذراه منه ، وأنه إذا عظمت قوته واستفحل أمره أصبح خطرا على بني الجراح ولم يعد لهم مقام في الرملة . إذن كان بنو الجراح كارهين لقدوم يارختكين ، متوجسين خيفة من أن يوهن من قوتهم إلى حد طردهم من إمارتهم . فإذا جاءت مشورة ابن المغربي بالتصدي له فمعنى ذلك أنها صادفت هوى كامنا في نفوسهم . واقترب ابن المغربي من حسان وهمس في أذنه بان التخلص من يارختكين هو الرأي الأمثل ، فاخذ بنو الجراح يستعدون لمواجهته ، وتسربت الأخبار بذلك إلى يارختكين ، وكان قد وصل الجفار من جنوبي فلسطين ، فشاور أصحابه ، واستقر الرأي على أن يبعث رسولا إلى الجيش المرابط في الرملة ، ويستدعي أحد القواد ومعه ألف فارس ، يلاقونه عند عسقلان ، وقدر أن يوافيه القائد في ثلاثة أيام ، إلا أن رسوله لم يصل إلى الرملة ، فقد جرى القبض عليه في الطريق . ولما انقضت المهلة ، سار يارختكين على طريق الساحل ففاجاته جموع حسان عند رفح والداروم ، ودارت معركة غير متكافئة ، أسر فيها يارختكين وأخذ ولده وحرمه ، وأخذت أموال التجار ، وعادت الأعراب إلى الرملة ، إذ أصبحت المدينة هدفا لإطماعهم لأن فيها الجيش الفاطمي ، فشنوا الغارة على الرملة ورساتيقها ، إلا أن عسكر الرملة

--> ( 1 ) رسالة الغفران : 55 . ( 2 ) العقد الثمين 4 : 70 . ( 3 ) في طبقات الداوودي : 153 للثاني من ذي القعدة سنة أربعمائة ، وعلى هذا يمكن أن تكون الكلمة : للثامن ، للثاني عشر ، للثاني والعشرين . ( 4 ) هكذا في طبقات الداوودي - بالجيم - وورد في اتعاظ الحنفا 12 : 82 في زي حمال ( بالحاء المهملة ) وانظر التذييل . ( 5 ) العقد الثمين 4 : 70 وأخبار الدولة المنقطعة : 48 . ( 6 ) الامارة الطائية : 44 - 48 ( باختصار ) .