حسن الأمين
53
مستدركات أعيان الشيعة
لقبت بالكامل سترا على نقصك كالباني على الخص فصرت كالكنف إذا شيدت بيض أعلاهن بالجص يا عرة الدنيا بلا غرة ويا طويس الشؤم والحرص قتلت أهليك وأنهبت بيت الله بالموصل تستعصي وهذا الهجاء صدر بعد مقتل آل المغربي والهرب من مصر وما اتصل بذلك من أحداث ، أي أن الكراهية اتصلت واتصل بها الهجاء ، وتجمعت سيئات جديدة بين الرجلين تحجب إمكان التقارب ، ومع ذلك نجد ابن المغربي يستدعي ابن القارح حين صار في ميافارقين ، وذلك حديث نرجئه إلى أن يحين أوانه . وكان قد مضى على إقامة الحسين بمصر أقل من ست سنوات ، حين وجد أنه يستطيع مبارحة التلقي إلى العطاء ، والتعلم إلى التأليف أو ما يشبه التأليف ، فعمد إلى اختصار مؤلف معروف مشهور ، لأن الاختصار يتيح له السيطرة على الكتاب ، ووقع اختياره أو اختيار والده ، على كتاب إصلاح المنطق لابن السكيت . ويحدثنا أبوه بايجاز عن ذلك الاختصار فيقول : « تناهى باختصاره ، وأوفى على جميع فوائده ، حتى لم يفته شيء من ألفاظه ، وغير من أبوابه ما أوجب التدبير تغييره للحاجة إلى الاختصار وجمع كل نوع إلى ما يليق به » ( 1 ) كان كتاب إصلاح المنطق قد خضع للاختصار قبل ذلك مرات ، اختصره مؤلفه نفسه ، فاسقط منه أبوابا كثيرة لعله وجدها غير ضرورية كثيرا لمن يرجعون إلى الكتاب ، ثم اختصره ثان وثالث ، فاخلوا بمعنى الاختصار ، وتهمم آخرون باختصاره فنكلوا . أما الحسين فإنه في رد النظائر إلى بعضها جعله في ثلاثة أقسام : أمثلة الأسماء ، وأمثلة الأفعال ، واللفيف . واضطره هذا التفريع إلى ما يجاوز حد الاختصار وذلك بإضافة أبواب جديدة إلى الكتاب ، ووضع أسماء لأبواب الكتاب الأصلية مثل باب ليس ، وباب المذكر والمؤنث ، وباب العدد . . . وجعل الأبواب الطويلة منه مرتبة على حروف المعجم ، فجاءت أبواب الكتاب الأصلي 218 بابا والأبواب المزيدة 107 أبواب ( 2 ) ، ويبدو من هذا الوصف أن الشاب الناشئ اتبع في تقريب فوائد الكتاب منهجا جديدا ، وأنه كان إلى التأليف أقرب ، فإذا تذكرنا في أي سن فعل ذلك أدركنا مدى تضلعه في اللغة ، وثقته بنفسه في الاستدراك على عالم كبير مثل ابن السكيت ، وذلك أمر لا يتأتى بسهولة ، ولا بد أن الحسين الفتى كان قد ضرب في حفظ اللغة وأمهات كتبها بسهم وافر . لهذا لا نستكثر أن يتعاظم إعجاب المعري به ، ذلك أن رغبة الحسين أو رغبة أبيه ، شاءت أن يعرض المختصر على أبي العلاء ، وكان كل منهما يعلم أنه لا يقدم العمل لتقييم نقدي ، فالإحسان الذي واكب العمل ملأ نفس الأب إعجابا والابن حبورا ، وإنما كانا يتطلعان إلى شهادة رجل ثقة ، شهادة تكفل للفتى السير على المحجة الواضحة ، وتضعه فوق نظرائه وتجعله مساويا لكثير ممن سبقوه في المضمار ، ومن يستطيع أن يمنح مثل هذه الشهادة سوى حجة اللغة في عصره ؟ وقد عرف أبو العلاء معنى ذلك التوجه ، واستشارته الصداقة القديمة للأب والاعجاب بالفتى إلى كتابة الرسالة الإغريضية . وإنما سميت بالإغريضية لأنه ذكر فيها « الإغريض » - وهو الطلع - وتتالف هذه الرسالة من ثلاث دورات ، في الأولى ترحيب بما تلقاه المعري من شعر ابن المغربي والثانية احتفاء بمقدم اختصار إصلاح المنطق ، والثالثة في شؤون شتى ، ويهمنا منها الدورة الثانية التي يتحدث فيها المعري عن تلك المهارة التي استطاعت أن تجري نهر الفرات في خرت إبرة ( يعني جودة الاختصار ودقته ) « ودلت على جوامع اللغة بالإيماء ، كما دل المضمر على ما طال من الأسماء » فقد أسقط ابن المغربي الشواهد من الكتاب وهي أحد عشر نوعا ، وحق له ذلك فان أبا يوسف بن السكيت غلا في التكثر من الشواهد . وتحدث المعري عن معرفة يقينية بكتاب إصلاح المنطق ، فقد كان من محفوظاته ، وكيف أنه بني على عشرين حرفا ( وعد تلك الحروف ) ، فلو أن أبا يوسف عاش ورأى ما صنعه ابن المغربي لفاظ كمدا ، إذ الاختصار كمرآة المنجم شخصها ضئيل ملموم ، وتستحضر القمرين والنجوم ( 3 ) وإذا نحن وضعنا تشبيهات المعري وتصوراته جانبا لأنها جزء من طبيعته الأدبية ، وجدنا أن إطراءه لعمل ابن المغربي لم يكن مجاملة أبدا ، وإنما كان وليد قراءة دقيقة لما صنعه ذلك الفتى ، وحكم نقدي منصف . على أنا يجب أن نتذكر شيئا كان في صميم طبيعة المعري ، وهو أنه كان في رسائله يبتكر دائما صعيدا جديدا - تعليمي الغاية - يضع فيه ما يريد أن يسوقه من أفكار ، وكان ينتحي منحى غير مألوف في اللغة والتصوير والتمثيل ، ليرضي ذوقه الفني ، ولم يكن ذلك كله مصحوبا باي شعور بالاستعلاء . ولهذا فإنه في رسالة الإغريض ( وفي رسالة المنيح على حد سواء ) كان يوحي لابن المغربي بان أمامه طريقا طويلا لبلوغ درجة الإتقان ، وليس من الضروري أن يكون ذلك بتقليد المعري ، بل بالرؤية الذاتية الواعية ، وقد فعل ابن المغربي ذلك بتوجيه أكبر أستاذ له ، وإن لم يتلق العلم مباشرة على يديه . سمى ابن المغربي اختصاره لاصلاح المنطق باسم « المنخل » ، معتمدا في الاختصار نسخة أستاذه جنادة الهروي ، وهي مقروءة على الأزهري صاحب تهذيب اللغة عن أبي الفضل المنذري عن أبي شعيب الحراني عن المؤلف . وقام بقراءة الأصل والاختصار على أستاذه جنادة نحو عشر مرات ( 4 ) وقد عرف « المنخل لدى معاصريه فرووه عنه ، وكان ممن رواه عنه أبو ياسر الفرج بن إبراهيم البغدادي ( 5 ) الكاتب الشاعر . ويبدو أن الأديب الأندلسي أبا القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي اطلع عليه ، وصنع له خطبة ( 6 ) وأثنى عليه ابن بسام في الذخيرة بقوله : « فإنه غاية لا يتعاطاها إلا من بهر عتقه واشتهر سبقه ، وطريقة لا يتوخاها إلا من رسخت في العلم قدمه ، وترامت به إلى معالي الأمور هممه » ( 7 ) وما كاد يلقي القلم من تحبيره للمنخل حتى اقترح عليه أبوه أن ينظم الكتاب ، فابتدأ بذلك وعمل منه عدة أوراق في ليلة ( 8 ) ويبدو أنه لم يتم هذا العمل ، إذ لا نسمع عنه شيئا بعد ذلك .
--> ( 1 ) بغية الطلب 5 : 18 ( 2 ) أدب الخواص : 20 ( نقلا عن طرة مخطوطة الاسكوريال رقم 605 ) . ( 3 ) رسائل المعري 1 : 185 - 186 . ( 4 ) أدب الخواص ( مقدمة المحقق ) : 20 ( نقلا عن طرة نسخة الاسكوريال رقم 605 ) . ( 5 ) الذيل والتكملة 8 : 259 . ( 6 ) إحكام صنعة الكلام : 28 . ( 7 ) الذخيرة 4 : 476 . ( 8 ) بغية الطلب 5 : 18 .