حسن الأمين

54

مستدركات أعيان الشيعة

وبعد ذلك النجاح الأول - في ميدان العلم - ظل ابن المغربي في مصر حوالي أربعة عشر عاما ، فما ذا تراه كان يعمل وفي أي الاتجاهات برز نشاطه ؟ هل عمل كاتبا في الديوان ؟ وإذا كان قد فعل فأين كان مقامه من أبيه وعمه في هذا المجال ؟ إن المصادر لا تحدثنا بشيء دقيق في هذا الصدد ، ولهذا علينا أن نكون صورة قريبة الشبه بالواقع اعتمادا على استقراء الظروف وبعض المعلومات القليلة المتناثرة في المصادر : فاستقراء الظروف يقول لنا إن هذه الفترة هي فترة الاستقرار الوحيدة في حياة ابن المغربي ، وما بعدها كله تنقل من بلد إلى بلد ، وملاحقة للفرص حيث لاحت . وفترة الاستقرار تلك هي أصلح مراحل حياته للازدياد من العلم وللاقدام على مزيد من التأليف . صحيح أن رحيله وأهله من الشام جعلهم يفقدون الكتب التي جمعها أسلافه حين رحلوا إلى مصر ، ولكن مصر استطاعت أن تعوضهم عنها لما كانت تتمتع به من غنى باهر في الكتب والمكتبات . ولذلك نظنه انصرف إلى تحصيل العلم بكل جد ودأب . ولعله يشير إلى هذه الفترة من حياته حين يقول : « فاني نشات وغذيت بكتب الحديث وحفظ القرآن ، ومثافنة الفقهاء ، ومجالسة العلماء ، وو الله ما رأيت قط بتلك البلاد مادبة ولا وليمة إلا لمقرءين ، ولا كنت متشاغلا إلا بعلم أو دين . . وأما الأحاديث المنثورة التي كنت أبكر بكور الغراب لاستماعها وأطرح رتبة الدنيا في مزاحمة أشياعها ، فأكثر من أن تحصى » ( 1 ) فمثل هذا الحرص على الطلب يتلاءم وتلك المرحلة من حياته ، إذ كان البال مهيا لذلك ، والعيش في رعاية الأهل يسعف عليه . وهو يحدثنا أنه ألف كتابه « أدب الخواص » وسنه خمس وعشرون سنة أو نحوها ( 2 ) ، أي في تلك الفترة نفسها ، في حدود 395 . ولا ريب في أن خطته في هذا الكتاب تدل على تمكن متميز في معرفة الشعر والنسب والأخبار واللغة ، وقد كان الباعث على تصنيفه الدلالة على معجز القرآن « إذ كان بتبحر ألفاظ هؤلاء القوم ( أي العرب ) والمعرفة بمعادن ألفاظهم وبمنازع أغراضهم يعلم معجز القرآن علما حسيا ذاتيا . وأنا أرى أن علم العالم أن القرآن معجز من طريق القياس والاستدلال ومن طريق الحس والإدراك أشرف وأعلى من علم العالم باعجازه عن طريق القياس بالتقليد لغيره والاعتبار بالفصحاء الذين تقدموه وكانوا حجة عليه » ( 3 ) ويبدو لنا المدخل للكتاب بسيطا لأول وهلة ، فهو في نواته جمع للمختار من أشعار العرب ، ولكن هذه النواة لا تلبث أن تتغير فتصبح جمعا للمختار من أشعار الأربعة : امرئ القيس والنابغة وزهير والأعشى ، ومرتبطا بهذا يجيء المختار لكل من اسمه امرؤ القيس ولكل النوابغ والأزاهر والعشي . ويجيء تحول آخر في الخطة إذ إن كل ذلك يتم في إطار الحديث عن قبيلة كل شاعر ثم المختار من أشعار كل قبيلة . وذلك يعني أن الكتاب يضم الشعر والأخبار والأنساب مع قسط من غريب اللغة . وقد كان منهجه في اختيار الشعر أن ينتقي البارع من أبيات القصيدة ثم يلقيها جانبا مدة أيام ، ثم يعيد فيها النظر برأي مستأنف ، ثم يختار من المختار أحسنه . واستكمالا لخطته اقتصر في شرح الغريب على ما يتطلبه المتوسط في الأدب ، كما اقتصر في تبيان السرقات الشعرية على ما يفيد في ذاته لا ما يفيد محض العلم بأنه مسروق . ورغبة في الإيجاز ألغى الأسانيد إلا في ثلاثة مواضع : موضع خلاف في الرواية ، وموضع غفل لم يكن إسناده معروفا فايراد الاسناد يقوي منه ، وأن يكون راوي الخبر ذا مقام خاص في نفس المؤلف وكان من أماثل من أدركه في زمنه . ذلك هو أدب الخواص ، فإن كان القارئ يحب الشعر عده مختار أشعار القبائل ، وإن كان يحب الأخبار تمثله مؤلفا في سير الجاهلية والإسلام ، وليس كل السير بل السير المستغربة ، وإن كان يحب اللغة تصوره معرضا لعقائل اللغة والشواهد عليها ، وإن كان يحب النسب - وهو أصعب علوم العرب - عده سياقة لجماهير الأنساب ( 4 ) أحببت تبيان هذا النسق التصاعدي في خطة الكتاب لأدل بذلك على أن مثل هذا التصور « المركب » ليس وليد تجربة مبتدئة بل وليد نضج عميق يرفده اطلاع واسع وقدرة نقدية أصيلة ، وعكوف على الدقة العلمية في التقييد والضبط ، ولذلك قلت إن ابن المغربي لم يكتف بالثقافة الصالحة للكاتب بل تجاوزها إلى ثقافة العالم الضليع في علمه . واختياره للصعوبتين - المتمثلتين في اللغة والنسب - دليل على تمكنه من الأصول ، ونظرة واحدة فيما وصلنا من مؤلفاته ومروياته تدلنا على أننا نجد لديه من المرويات ، ومن الإحاطة بالدقة فيما يرويه ، ما لا نجده عند غيره . حتى ليمكن أن نلحظ لديه شغفه بغرائب الأخبار ، ومحاسن الأشعار التي قلما يلتفت إليها غيره . وبسبب من هذا التفرد في المعرفة والدقة وحسن الخط أصبح ابن المغربي لدى الأجيال التالية حجة فيما يرويه في اللغة ، وما يقيده من ضبط ، وما يورده من أنساب . وكان يزيد الخالفين اطمئنانا أن يروا المادة مكتوبة بخطه . وإليك نماذج من الأخذ برأيه في اللغة والضبط للأسماء ، والاعتماد على خطه : الجرجة - الخرجة : كان الوزير ابن المغربي يسال عن هذه الكلمة على سبيل الامتحان ، ويقول ما الصواب من القولين ، ولم يفسر ( 5 ) شلا : ورأيت بخط الوزير ابن المغربي في بعض تصانيفه يذكر أنه قد أجاز الكسائي أشليت الكلب على الصيد ، بمعنى أغريته ، قال : لأنه يدعى ثم يؤسد فوضع موضعه ( 6 ) النكيثة : ذكر الوزير ابن المغربي أن النكيثة في البيت هي النفس : وقربت بالقربى وجدك أنني متى يك عهد بالنكيثة أشهد ( 7 ) النمي : في قول الشاعر : ولو شئت أبديت نميهم وأدخلت تحت الثياب الابر قال الوزير المغربي أراد بالنمي هنا العيب ، وأصله الرصاص ، جعله في العيب بمنزلة الرصاص في الفضة ( 8 ) . الدهناء : بخط الوزير ابن المغربي : الدهناء عند البصريين مقصور وعند الكوفيين يقصر ويمد ، والدهان الأمطار اللينة ، واحدها دهن ،

--> ( 1 ) بغية الطلب 5 : 17 . ( 2 ) أدب الخواص : 86 . ( 3 ) أدب الخواص : 83 . ( 4 ) أدب الخواص : 83 - 85 . ( 5 ) التنبيه والإيضاح 1 : 195 ( واللسان جرج ) . ( 6 ) مادة ( شلا ) في اللسان عن ابن بري . ( 7 ) التنبيه والإيضاح 1 : 190 واللسان ( نكث ) والبيت لطرفة . ( 8 ) اللسان ( نجم ) عن ابن بري .