حسن الأمين
52
مستدركات أعيان الشيعة
هو في الرحيل عنها كجسم ذي روح ، نقل من الغرقىء إلى اللوح ، وهي بعد كقسيمة الوسيمة ذهب عطرها وبقي نشرها ، وإنما شرفت على سواها ، وطالت على البلاد دون ما والاها ، لاقامته بها في تلك الأيام ، وإنامته عن أهلها نواظر أزام ، فعرفت به ، ونالت خيرها من حسبه . . . « ( 1 ) ثم يحاول اعتماد حسن التعليل في انتقال الحسين عن المعرة بقوله : « ولعل المعرة قد نظرت أصح النظر ، وفكرت فيما لا ينتقض من الفكر ، فعلمت أنه عقد لا يصلح لمقلدها ، وسوار يرتفع لجلالته عن يدها » ( 2 ) ، لهذا تخلت المعرة عن أنانيتها وسمحت بفراقه لها ولكنه « ظعن وأرجه مقيم ، وارتحل وللثناء تخييم » ( 3 ) ، وعلى الرغم من التواضع الجم الذي يبديه المعري إزاء هذا الشاب الناشئ - والتواضع من سماته الملازمة - ( هل أدبي في أدبه إلا كالقطرة في المطرة ) ( 4 ) فإنه صريح في مدى ما يحمله له من حب وتقدير « فيعلم أن الروع وجوانح الضلوع ، مفعمة له بالاعظام ، مترعة بمحبته إتراع الجام » وهذا الحب غير مستمد من إفضال المغربي الأب على المعري بل من تفوق المغربي الابن وتميزه ونبله ، وقد ذهب المعري في ذلك مذهبا أثار النقد ضده : « حتى استجهلني الذي لا يعلم ، وتكلم في فضيلتي من تكلم ، لأني ما اقتنعت بتفضيله على الأحداث ، دون سكان الأجداث » ( 5 ) فإذا كان ابن المغربي حين اختصر إصلاح المنطق لم يطمئن إلى عرضه إلا على أبي العلاء ، فذلك يؤكد تلك الثقة والاعجاب المتبادلين . وقد يقال إنه فعل ذلك بنصيحة من أبيه ، ولكن هذه الصلة الوثيقة بالمعرة والمعري تجعلنا نتاكد من أن تلك النصيحة كانت توكيدا لما في نفس الابن ، ولكن هذا الحديث سابق لأوانه وسيجئ في مكانه . في مصر وجد ابن المغربي بيئة علمية رحبة ، فاستكمل ثقافات ابتدأها في الشام ، وسلك اتجاهات ثقافية أخرى جديدة : كانت مؤسسات العلم - وفي مقدمتها « دار العلم » متنوعة ، وكانت المكتبات - وبخاصة مكتبة القصر - حافلة بصنوف الكتب في كل علم . فوجد في دار العلم جنادة بن محمد الهروي ( 6 ) الذي كان مكثرا من حفظ اللغة ونقلها ، ومعه الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري ( 7 ) حافظ مصر في عصره ، والمقرئ الأنطاكي أبو علي الحسن بن سليمان ( 8 ) أحفظ أهل زمانه للقراءات ، وكان هؤلاء الثلاثة يجتمعون في دار العلم وتجري بينهم المذاكرات والمطارحات ، ولسبب لا ندريه نقم عليهم ( الحاكم ) من بعد كما نقم على آل المغربي ، فقتل جنادة والحسن ، واختفى عبد الغني . ولعل الشيخ حمد الجاسر على صواب حين يقول : « لا أستبعد أن قتل جنادة شيخ ابن المغربي له صلة بقتل أبي المغربي وعمه وأخويه ، وإن كان المؤرخون يفرقون بين زمن الحادثتين » وتلك مسألة لعلني أعود إليها عند الحديث عن مقتل آل المغربي . وهؤلاء الثلاثة متقاربوا الثقافة ويمكن أن نعدهم في من يحسنون اللغة والنحو ، فإذا أضفنا إليهم محمد بن الحسين اليمني وكان نحويا ، ومحمد بن عبد الملك التاريخي وكان كذلك ، وجدنا أن انصراف الحسين إلى اللغة والنحو استأثر باهتمامه في مطلع حياته الثقافية . على أنه اتصل في مصر بعلماء آخرين من أهمهم أبو جعفر الطحاوي ، وسمع عليه كتاب المزني ( 9 ) ولعله في هذه الفترة نفسها سمع موطأ مالك من جهتين على شيخين ، كما سمع صحيحي البخاري ومسلم وجامع سفيان ومسانيد عدة عن التابعين ( 10 ) ، وقد لقي في مصر عددا من الشيوخ ، وعد له ابن العديم ثمانية عشر شيخا ، ويمكن إضافة أسماء أخرى إليهم . وتعرف إلى الوزير أبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف بابن حنزابه وحدث عنه وروى عنه كتاب إصلاح المنطق بإسناد يتصل إلى ابن السكيت ، كما رواه عن جنادة الهروي بإسناد آخر ، ويخبرنا أنه كان يحادث ابن حنزابه ويجاريه شعر المتنبي ، فكان الوزير يظهر تفضيل المتنبي ، بما يتجاوز إحساسه الحقيقي نحوه ، إذ كان المتنبي قد عرض به هاجيا في بعض شعره ( 11 ) ولكن الذي صاحبه بعيد الرحيل عن الشام وأقام ملازما له ولأبيه هو علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح والملقب دوخلة ، فان أباه استدعاه فيما يقال إلى القاهرة ليكون مؤدبا للحسين ( 12 ) ، غير أن ابن القارح يصرح بان عليا ابن المغربي هو الذي رباه ، وأنه هو قام بتربية إخوة الحسين ولا يذكر شيئا عن تأديبه للحسين نفسه ، وذلك إذ يقول راويا أحد المواقف بينه وبين الحسين : « وقلت له على أنس بيني وبينه لي حرمات ثلاث : البلدية وتربية أبيه لي وتربيتي لإخوته « . ويذكر ابن القارح أن الحسين قال في جوابه : » هذه حرم مهتكة : البلدية نسب بين الجدران ، وتربية أبي لك منه لنا عليك ، وتربيتك لاخوتي بالخلع والدنانير « ( 13 ) وأنا أستبعد أن يكون ابن القارح قد قام بتأديب الحسين لأسباب منها أن التحصيل الأولي الذي ناله الحسين قبل الرحيل إلى مصر كان يغنيه عن مؤدب ، وأنه حين وصل إلى مصر - فيما أقدر - كان يتطلع إلى لقاء علماء يفوقون ابن القارح في المستوي العلمي . وإذا كان والده هو الذي ربي ابن القارح في حلب حقا ، فان الحسين عرفه في دور مبكر من حياته ، واطلع عن كثب على مساوئه ، وأضمر له كراهية في نفسه . ولعل فارق السن بينهما لم يكن كبيرا ، بحيث يمكن ابن القارح من أن يصبح لدى الحسين موضع احترام . ثم إن هذا التنافر بين قطبين يتجاوز العلاقة بين المؤدب وتلميذه ، لأنه خرج إلى العلن على نحو فاضح ، إذ عبر عنه الحسين بالاحتقار ، وعبر عنه ابن القارح بمحض الهجاء ، وذلك شيء تجاوز حدود مصر إلى أن تم اللقاء بميافارقين من بعد ، وذاع حتى إن رجلا كأبي العلاء المعري حين ذكر ابن القارح أمامه ميزه بقوله : « هو الذي هجا أبا القاسم بن علي بن الحسين المغربي » ( 14 ) وتورد المصادر من هجاء ابن القارح للحسين قوله ( 15 ) :
--> ( 1 ) رسائل المعري 1 : 162 - 163 والغرقىء : القشر الرقيق حول بياض البيضة ، واللوح : الجو ، والفسيمة : جونة العطار ، والوسيمة : المرأة الجميلة ، وأزام : السنة الشديدة . ( 2 ) رسائل المعري 1 : 163 ، 164 . ( 3 ) رسائل المعري 1 : 175 . ( 4 ) رسائل المعري 1 : 176 . ( 5 ) ابن خلكان 1 : 372 . ( 6 ) ابن خلكان 3 : 223 . ( 7 ) غاية النهاية 1 : 215 . ( 8 ) أدب الخواص ( المقدمة ) : 22 . ( 9 ) بغية الطلب 5 : 17 . ( 10 ) رسائل المعري 1 : 162 - 163 والغرقىء : القشر الرقيق حول بياض البيضة ، واللوح : الجو ، والفسيمة : جونة العطار ، والوسيمة : المرأة الجميلة ، وأزام : السنة الشديدة . ( 11 ) ابن خلكان 1 : 349 ( نقلا عن أدب الخواص ، وذلك من الفقرات الضائعة ) وتعريض المتنبي به هو قوله : بها نبطي من أهل السواد يدرس أنساب أهل العلا . ( 12 ) [ ذ ر ] انظر الصفدي في الوافي ( 22 : 234 ) أنه كان مؤدبا له . ( 13 ) رسالة الغفران : 55 . ( 14 ) رسالة الغفران : 51 . ( 15 ) الوافي 22 : 234 .