حسن الأمين

51

مستدركات أعيان الشيعة

وحين أيقن لؤلؤ الكبير الوصي على أبي الفضائل بان مساعدة الروم له لم تعد ممكنة ، بعد تلك الهزيمة ، كاتب ابن المغربي والقشوري ( كاتب منجوتكين ) لعلهما أن يقنعا منجوتكين بترك حلب وشأنها ، والعودة إلى دمشق ، وبذل لهما على ذلك مالا ، وصادف ذلك قلة في الميرة والعلوفات والأقوات ، مما جعل منجوتكين يرحب بالانسحاب والانكفاء إلى دمشق . غير أن العزيز لما عرف ذلك استاء ، وكان لابن المغربي في حضرته أعداء يكيدون له ، ويقعون فيه ، فاوغروا صدره عليه فعزله عن التدبير وولى رجلا آخر مكانه ( 1 ) ولست أعتقد أن هذا الاقصاء قد طال أمده وإن سكتت المصادر عن عودة ابن المغربي إلى سابق حظوته ، ولعل ذلك تم أيام العزيز إذ تقول إحدى الروايات إنه بلغ عند العزيز مرتبة عظيمة حتى صار يستشيره في عظائم الأمور ويأتمنه على الأسرار ( 2 ) ثم نجده في ظل الحاكم سنة 390 أحد المقربين الذين يصاحبون الخليفة حين يبرز للناس ، أو يجلس في العشايا في قصره ، وهم خمسة عن يمينه وخمسة عن يساره ، وابن المغربي وأخوه في الخمسة الذين يجلسون في الجهة اليسرى ( 3 ) ثم تسكت المصادر عن ذكر أي نشاط متميز لابني المغربي ، إذ يبدو أن الأمور جرت كالمعتاد وهما في منصبيهما ، حتى أمر الحاكم بقتلهما وقتل أبناء علي منهما . 2 - نشأته - بين الشام ومصر عند هذا الحد يجب أن نعود قليلا إلى الوراء : عندما كان علي بن الحسين المغربي يعيش في حلب ، رزق بابنه حسين ، وقد قيد تاريخ مولده بأقصى دقة حين قال : « ولد سلمه الله وبلغه مبلغ الصالحين أول وقت طلوع الفجر من ليلة صباحها يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة » ( 4 ) ، ولا ريب في أن حلب كانت مسقط رأسه ، وأن ما قيل خلاف ذلك فهو خطا كقول ابن الجوزي إنه ولد بمصر ( 5 ) ، والشواهد على ذلك كثيرة منها قوله في أدب الخواص : « قال بعض عامة بلدنا الحلبيين . . » ( 6 ) وحنينه إلى بابلا إحدى ضواحي حلب وتسميته إياها ب « الوطن » ، وهو بعيد عنها : ليس من لم يسل حنينا إلى الأوطان إن شتت النوى بظريف وحديثه عن هرب أبيه من الشام إلى العراق وبقاء أسرته بحلب ، قبل أن يعرف طريقا إلى مصر مرة ثانية ، وحديث أبيه إلى سيف الدولة عن إزماعه الزواج وهو بحلب ، واليقين القاطع بان أباه لم يفارق مدينة حلب إلا بعد سنة 370 ، أي العام الذي ولد فيه الحسين ، وعدم تردد ابن العديم - وهو المؤرخ المدقق - في القطع بان مكان مولده هو حلب ، ومتات ابن القارح الحلبي إليه برابطة البلدية ( 7 ) وقد وصل أبوه إلى مصر في جمادى الأولى سنة 381 ( 8 ) - كما تقدم - وإذن كان عمر الحسين حين انتقل آل المغربي إلى مصر قرابة إحدى عشرة سنة . وأراني أرجح أنه بدأ تحصيله العلمي في سن مبكرة وهو بحلب ، إذ كانت ملكاته تؤهله لذلك حتى أن أكثر الناس بغضا له يصفه بالذكاء ( 9 ) ، وأنه بدأه على نحو مكثف . وهذا الفرض وحده هو الذي يفسر كيف استطاع قبل أن يستكمل أربع عشرة سنة - بشهادة أبيه نفسه - : « أن يستظهر القرآن وعدة من الكتب المجردة ( 10 ) في اللغة والنحو ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار الشعر القديم وأن ينظم الشعر ويتصرف في النثر ويبلغ من الخط ما يقصر عنه نظراؤه وكذلك من الحساب والجبر والمقابلة ما يزيد عن ما يحتاج إليه الكاتب « ( 11 ) ونظرة واحدة إلى هذه العلوم التي بدأ بها وأتقنها تدل على أن والده كان يريده أن يقتفي أثره وأثر جده ، فيتخرج وهو مزود بكل الثقافة التي تتطلبها مهنة الكتابة . وليس في جريدة الشيوخ الذين درس عليهم من نعده أستاذا له في الفترة الشامية سوى والده ومحمد بن عيسى النامي . وبعض الذين يحملون النسبة إلى حلب مثل علي بن لؤلؤ الحلبي وعلي بن محمد الحلبي وأحد التنوخيين وهو محمد بن الحسن التنوخي . ولكن الظن يذهب بي إلى أنه تعرف ، وهو صغير السن ، إلى أبي العلاء وزاره بصحبة أبيه في المعرة ، وأعجب الصبي بذلك الضرير الذي لا يكبره إلا بسبع سنوات أو ثمان ، ويعرف الكثير الكثير ، عن ظهر قلب ، وأعجب المعري بالصبي ( وبرك على رأسه ) وتنبأ له بأنه سيبذ أقرانه ، كل هذه فروض حقا ولكني لا أراها بعيدة عن الصواب ، فقد انتقل إعجاب الأب بالمعري إلى ابنه ، وكان ذلك الاعجاب عاملا في إقباله على المعرفة بينهم ، وتوجهه لاتقان اللغة ، ذلك الجانب الذي بلغ فيه تفوق أبي العلاء حدا يبهر كل من عرفه وقاربه . ولنا أن نقول إن هذا الاعجاب بالمعري هو الذي كان له الدور الفعال في نقل الحسين من دائرة ثقافة الكتاب - وهي إلمام بالضروري - إلى ثقافة العلماء ، وهي الغوص في كل علم ، وإتقانه على حدة . وفي رسالة كتبها من مصر إلى أبي العلاء وأخيه ما يؤكد تلك العلاقة ، وأنها كانت قبل رحيله عن الشام . إن شخصا يكتب » إني كتبت وما لي جارحة إلا وهي جريحة حبهما ، ولا جانحة إلا وهي جانحة إلى قربهما « لا يمكن أن يقول مثل هذا القول إلا ولديه معرفة سابقة تسمح له بذلك . ومثل ذلك أيضا قوله : » ولا غرو وإن بعد العهد إذا قرب الود ، ولا ضير إن تناءت الأشباح فقد تدانت الأرواح « ، وهذا يعني أن هناك عهدا كان موجودا ثم مضى وتناءى ، وأن الأشباح - أي الأجسام - كانت متقاربة فتناءت كذلك . نعم إن الرسالة تمرين مبتدئ على حديث عاطفي يراوح بين النثر والشعر لإظهار قدرة إنشائية نثرا ونظما ، ولا تتحدث بشيء عن وجود صلة على أرض الواقع ولا تكشف عن شيء مهم إلا إذا صدقنا أن الشكوى التي يبثها تمثل واقع الكاتب النفسي يومئذ . ولكن على ذلك كله فإنها تؤكد علاقة كانت قائمة تسمح بتلك الشكوى نفسها . وتشير رسالة من رسائله ضاعت وقصيدتان إحداهما ميمية والأخرى رائية إلى أن علاقته كانت واشجة لا بأبي العلاء وأسرته وحسب بل كانت بالمعرة نفسها وثيقة ، وهذا ما تصوره رسالة المنيح للمعري التي رد بها على الرسالة الضائعة والقصيدتين ، إذ يقول » وإنما

--> ( 1 ) ذيل تاريخ دمشق : 42 . ( 2 ) نهاية الإرب 26 : 158 . ( 3 ) اتعاظ الحنفا 2 : 31 . ( 4 ) بغية الطلب 5 : 17 والوافي 12 : 441 والبداية والنهاية 12 : 23 . ( 5 ) المنتظم 8 : 32 وابن الأثير 9 : 331 ومرآة الزمان 12 : 47 والبداية والنهاية 12 : 23 . ( 6 ) أدب الخواص : 71 . ( 7 ) رسالة الغفران : 55 . ( 8 ) الإشارة إلى من نال الوزارة : 47 . ( 9 ) لسان الميزان 2 : 301 . ( 10 ) ذيل تاريخ دمشق : 42 . ( 11 ) بغية الطلب 5 : 17 - 18 والوافي 12 : 441 وابن خلكان 2 : 172 وروضات الجنات : 240 ، وأعيان الشيعة 27 : 9 .