حسن الأمين

50

مستدركات أعيان الشيعة

اصطحاب أهله معه ، فغادر الرحبة إلى الأنبار في طريقه إلى مدينة السلام . وفي رواية أن سعد الدولة أباح دمه ، فلجا إلى مشهد علي بالكوفة ومن مقامه هنالك كاتب العزيز ، فرحب بمقدمه ( 1 ) ويبدو أن ذهابه إلى العراق كان في حدود سنة 379 وهي السنة التي توفي فيها شرف الدولة البويهي وخلفه ابنه بهاء الدولة ، وشجر الخلاف بينه وبين فخر الدولة البويهي ، وغلبت الفوضى والاضطراب على العراق ، وجاء من يحذر عليا بان بقاءه في العراق محفوف بالخطر ، وكان يعلم أيضا أن عودته إلى حلب تغرير بالنفس ، غير أن تعرف حال من خلفهم وراءه فيما يشبه الأسر ، حمله على ركوب الصعب ، فعاد إلى حلب ، ولكنه لم يطل الإقامة في ما يظهر ، ولم تبق له وجهة يؤمها - بعد أن أغلقت الشام والعراق بأبيها في وجهه - إلا أن يؤم مصر ، وهكذا كان . وأغرته الحظوة التي لقيها هنالك باستقدام جميع من تخلفوا في حلب ( 2 ) ، وكان دخوله إلى مصر في النصف من جمادى الأولى سنة 381 ، وفي مصر اتخذه العزيز كاتبا له ( 3 ) ولكي نستطيع أن نتصور ما كان يحدث حينئذ علينا أن نتذكر أن التنافس بين القوى الثلاث : الحمدانيين والفاطميين والروم كان يجعل ديار الشام لقمة متنازعة ، ويسمح لبعض الطامحين بالاستقلال ، وهكذا استطاع غلام اسمه بكجور أن يستقل بدمشق ، ويعلن العصيان على سعد الدولة . ثم إن هذا الغلام أساء التصرف إلى الفاطميين فأخذوا منه دمشق ، فذهب إلى الرقة وعاش فيها خاملا ، غير أنه لم ينس أن الفرص قد تسنح للمرء إذا هو اهتبلها ، فكتب إلى العزيز يذكر له جلالة حلب ، وأنها « دهليز العراق » ويحرضه على انتزاعها من يد سعد الدولة ، فأجيب بكجور إلى ما أراد ، وزود بكل ما طلب ، وجعل علي بن الحسين ابن المغربي كاتبا له ، وزحف بالجيش إلى حلب ونزل في الموضع المعروف بالنيرب ، وبدا أن الفوز محقق لسعد الدولة إذ تخلى عن بكجور من كان يؤمل لديهم نصرته فاستدعى كاتبه ابن المغربي وقال له : « غررتني وأوهمتني أن العزيز يجيئني ويعاونني ، وأن العرب تخلص لي وتناصحني . . . وما كان لشيء من ذلك حقيقة ، فما الرأي الآن فان بازائنا عسكرا عظيما » . فنصحه ابن المغربي أن يرجع إلى الرقة ويكاتب العزيز يخبره بان من بعث لنجدته تخلف عنه . إلا أن بكجور أصاخ إلى نصيحة رجل آخر من رجاله أشار عليه بالثبات ، فما كان من ابن المغربي إلا أن بذل لبدوي من بني كلاب أن يوصله إلى الرقة مقابل ألف دينار ففعل ( 4 ) وقد كانت نتيجة المعركة بين بكجور وسعد الدولة هزيمة بكجور ثم مقتله ، وسار سعد الدولة إلى الرقة وفيها سلامة الرشيقي وأولاد بكجور ، ففاوضه سلامة على تسليم البلد شرط الإبقاء على أولاد بكجور وأمواله ما عدا آلات الحرب والعدد . وكان الذي كتب نص اليمين ليرددها سعد الدولة هو ابن المغربي نفسه الذي كان قد هرب منه قبل حوالي سنتين ، ولم يؤاخذه سعد الدولة بما كان فعل ( 5 ) وبعيد النصر الذي أحرزه سعد الدولة بقليل أدركته منيته ، وخلفه ابنه أبو الفضائل ، فما كان من ابن المغربي إلا أن كتب إلى العزيز « يعظم أمر حلب عنده ، ويكبر في نفسه أحوالها ويهون عليه حصولها » ( 6 ) فأرسل إليها قائدا اسمه منجوتكين وضم إليه ابن المغربي ليقوم بالأمر والتدبير ، وزحف جيش الفاطميين إلى حلب ، فاستنجد أبو الفضائل بالإمبراطور بسيل ، فأمر بسيل البرجي صاحب أنطاكية بان يجمع جيشا ويقصد حلب ويدفع جيش المصريين عنها ، فنزل البرجي في الموضع المعروف بجسر الحديد بين أنطاكية وحلب ، فتحول منجوتكين وابن المغربي عن حلب لمناجزة الروم ، وواقفوا الروم ، والنهر المعروف بالمقلوب يفصل بين الفريقين ، وكان النصر في المعركة لمنجوتكين وابن المغربي . هذه المعركة خلدها أبو العلاء المعري في قصيدة له مطلعها ( 7 ) : هو الهجر حتى ما يلم خيال وبعض صدود الزائرين وصال وبذكر أن المعركة كانت عند حارم ، وأن البحر جاش على حارم في صورة كتائب ، وتساقطت عليها الشهب في صورة نصال ، ويشير إلى النهر الفاصل بين الجيشين بقوله : وقى الخيل من ماء المخاضة عفة وهن إلى ماء النفوس نهال يردن دماء الروم وهي غريضة ويتركن ورد الماء وهو زلال ثم يتوجه إلى ابن المغربي مادحا : فلا زلت بدرا كاملا في ضيائه على أنه عند النماء هلال فما لخميس لم تقده عرامة ولا لزمان لست فيه جمال هاهنا يمكننا أن نتوقف قليلا لنسأل : هل كانت هذه القصيدة أول علاقة بين المعري وآل المغربي ، وإذا كانت كذلك فكيف بدأ التعارف ، وما ذا كان يريد أبو العلاء من هذا المدح ؟ للإجابة على هذه الأسئلة جميعا علينا أن نتذكر أن أبا العلاء كان في العشرين من عمره يوم نظم القصيدة ، ولما لم يكن شاعرا طالب عطاء ، فإنه لا تفسير لهذا المدح إلا أن يكون إشادة بعلاقة سابقة بلغت حد الصداقة الممزوجة بالاعجاب ، فإن لم تكن صداقة شخصية فلا أقل من أن تكون رعاية للمعرة وأهلها يوم كان ابن المغربي وزيرا لسعد الدولة . ولدينا قصيدة أخرى يدل مستواها على أنها بقية من قصيدة حذف منها أبو العلاء الكثير ، لأنها كانت من ثمرات الصبا ، وفي هذه القصيدة يمدح علي بن الحسين المغربي ويشير إلى أصله الفارسي ويمجد ذلك الأصل ثم يقول ( 8 ) : فهلا تقل بغاة اللجين ونائلك الذهب الأحمر ومن يطلب الدر في لجة ومن فيك أشرفه ينثر إننا إذا قدرنا أن هذه القصيدة تم نظمها حين كان أبو العلاء في الخامسة عشرة أو قريبا منها ، فذلك قد يسمح بتصور فترة نمت فيها علاقة متينة بينه وبين الكاتب الوزير لدى الحمدانيين ، وهي صلة تجعله يحمل ذكريات طيبة عن تلك العلاقة . فإذا تذكر علي بن الحسين من بعد قال : « كان ذلك الرجل سيدا ، ولمن ضعف من أهل الأدب مؤيدا ، ولمن قوي منهم وادا ، ودونه للنوب محادا » ( 9 )

--> ( 1 ) ذيل تاريخ دمشق : 38 ونهاية الإرب 26 : 158 وابن الأثير 9 : 88 . ( 2 ) ذيل تاريخ دمشق : 38 ونهاية الإرب 26 : 159 . ( 3 ) ذيل تاريخ دمشق : 27 - 34 وابن الأثير 9 : 87 - 89 . ( 4 ) ذيل تاريخ دمشق : 37 . ( 5 ) ذيل تاريخ دمشق : 38 . ( 6 ) ذيل تاريخ دمشق : 39 . ( 7 ) شروح سقط الزند : 1046 . ( 8 ) شروح سقط الزند : 189 . ( 9 ) رسالة الغفران : 524 .