حسن الأمين

49

مستدركات أعيان الشيعة

فتى تأنس الدنيا به وهو موحش وتدنو إلى أهوائه وهو شاسع ولكن المقصود فيها هو سيف الدولة : أعذني بسيف الدولة اليوم أن أرى أخادع أعدائي به وأصانع على أنا وإن لم نجد قصائد أخرى لابن نباتة في مدح ابن المغربي الجد ، فذلك لا يعني أن حديث الحفيد عن جده ، كان مباهاة وتكثرا ، لأن بلوغه منزلة الوزارة يؤكد ما أحرزه من رفعة المكانة في مملكة حلب ، وهذا من شانه أيضا أن يطمئننا إلى أن ما نسبه الحفيد إليه من أنه « كان كاتبا مجيدا شاعرا ، حسن النظم والنثر » ( 1 ) ليس محمولا كذلك على الإسراف في المبالغة ، وإن كنا لا نملك القدر الكافي من شعره ونثره للحكم على مدى جودته ، وقد روى له حفيده هذه الأبيات ( 2 ) : إن شكوى المرء فيما نابه خور في نفسه مما نزل واطراح الفكر في رفع الأذى خور في عقل من عنه عدل فانف عنك الهم بالعزم ودع عقلك الجم معدا للحيل وهي أبيات ذهنية خالصة ليس فيها رهافة شعر الكتاب . فاما نثره فقد احتفظ منه حفيده برسالة في وصف النخلة يقول في أولها ( 3 ) : « فاما ذوات الطول المديد ، والقوام بغير تاويد ، المخصوصات بالطلع النضيد ، والمزينات بالسعف والجريد ، الممنوحات عمومة الأنساب ( 4 ) ، الباقيات على مرور الأحقاب ، المطمعات في المحل أنواع الرطاب ، فبدأ خلقها من التراب . . . « . ويتحدث في هذه الرسالة - محافظا على السجع فيها - عن تطور ثمر النخيل في مراحله المختلفة حتى يصبح رطبا جنيا ، وعن ما تمثله النخلة من مكانة معنوية رفيعة بذكرها مرارا في القرآن الكريم ، وتسخيرها لمريم تهزها فيتساقط عنها الرطب . واختيار ابن المغربي وصف النخلة موضوعا لرسالة يدل على أنه لم يكن كاتبا ديوانيا فحسب ، بل كان يمارس الكتابة الإنشائية ، خارج نطاق الديوان . وخلاصة ما هنالك أن هذا الجد قد رسم لأبنائه وحفدته من بعده طريقا لم يحيدوا عنها وهي طريق ذات شقين متصلين : خدمة الدولة والتمرس بفنون الكتابة . وقد ظل حيا حتى سنة 354 ، ففي ذلك العام عقد سيف الدولة الفداء مع الروم واشترى أسرى المسلمين بجميع ما كان معه من المال ، ولم يف المال بفداء جميع الأسرى فرهن كاتبه ابن المغربي عليهم » بدنته الجوهر المعدومة المثل « ( 5 ) ، ولعله توفي في العام المذكور أيضا . وقبل وفاته كان ابناه اللذان تركناهما في بغداد قد كبرا ، وأرسل الإخشيد في استقدامهما إلى مصر . أما لما ذا يفعل الإخشيد ذلك فأمر يشبه اللغز ، نعم كان أبوهما قد تعرف إلى الإخشيد أثناء وجوده في الشام ، أول انتقاله إليها من بغداد ، ولكن ما هي المكانة التي بلغها الإخوان في بغداد حتى تحمل الإخشيد على إرسال فاتك الملقب بالمجنون - ممدوح المتنبي من بعد - ليجيء بهما إلى مصر عن طريق الرحبة ؟ ( 6 ) وبما ذا كان ينوي أن يكلفهما ؟ أكبر الظن أن استدعاءه لهما إنما كان استجابة لرغبة الأب الذي نفترض أن معرفته بالاخشيد بلغت حد الصداقة ، ولكن يبقى السؤال واردا ، لما ذا لم يضمهما أبوهما إليه في كنف سيف الدولة وله منه تلك المنزلة ؟ ومن الواضح أن إقامة الأخوين بمصر لم تطل ، إذ نرى الابن عليا يخلف أباه في خدمة سيف الدولة ( المتوفى سنة 356 ) بحلب ، ويستولي على أمره ، كما استولى أبوه من قبل ، ومن بعد روى لأبي العلاء المعري - أو لغيره ونقل الرواية أبو العلاء - أنه كان مع سيف الدولة وهما خاليان ، فسأله سيف الدولة عن التزويج فقال له علي بن الحسين : لي بنت عم وأنا أنتظر قدومها علي . فتلفت سيف الدولة يمينا وشمالا هل بقربة من يسمعه ثم قال : لا تفعل ، بنت العم ثبت الغم ( 7 ) ويبدو أنه لم يفعل إذ إنه تزوج - أثناء مقامه بديار الشام بنت محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني ( 8 ) ، وهي أم الحسين - موضوع هذه الدراسة - ولعلها أيضا أم أخوين آخرين له . والنعماني نسبة إلى النعمانية ، وهي بليدة بين واسط وبغداد في نصف الطريق على ضفة دجلة ، وأهلها كلهم شيعة ( 9 ) ، فأم الحسين عراقية شيعية ، ورث عنها أبناؤها في النعمانية أملاكا ( 10 ) وبعد وفاة سيف الدولة استمر علي في خدمة ابنه سعد الدولة أبي المعالي وشاركه الرأي في إدارة الدولة ، كما شاركه في مدائح أبي العباس النامي ( 11 ) ، ولم يصلنا من مدائحه فيه شيء ، كما لم يصلنا شيء من مدائح ابن نباتة فيه مع تصريح ابنه بذلك ( 12 ) ولعله في هذه الفترة اتصل به عبد المحسن الصوري ( 339 - 419 ) ومدحه ، ومن مدائحه فيه قصيدة مطلعها ( 13 ) : أترى بثار أم بدين علقت محاسنها بعيني ومنها في المدح : كانت كذلك قبل أن يأتي علي بن الحسين فاليوم حال الشعر ثالثة لحال الشعريين أغنى وأعفى مدحه العافين عن كذب ومين ولا ندري كم أقام علي في صحبة سعد الدولة ، فقد تقلبت الأيام بأبي المعالي كثيرا ، بين سيطرة على حلب وفقدان لها ، وحروب مع الروم ، أو شراء للهدنة منهم بالمال ، ففارقه علي بن الحسين . ويوصف ما جرى بين الرجلين بأنه كان « نبوة أوجبت انفصاله » ( 14 ) ويقال عن هذا الانفصال في موضع آخر : « ثم شجر بينهما ما يتفق مثله بين المتصاحبين في الدنيا » ( 15 ) ومما يدل على أن « النبوة » بين الرجلين كانت حادة أن سعد الدولة فيما يبدو لم يسمح لعلي أن يصحب أهله معه . وهذا مما يوحي به قول الابن : « فانا كنا بحلب معوقين من بعده » ، فإن لم يكن هذا هو معنى التعويق ، حملنا الأمر على أن عليا بادر إلى مفارقة حلب ، فرارا بنفسه دون أن يتمكن من

--> ( 1 ) بغية الطلب 5 : 124 . ( 2 ) بغية الطلب 5 : 126 . ( 3 ) بغية الطلب 5 : 124 . ( 4 ) يشير إلى قول للرسول جاء فيه « عمتكم النخلة » . ( 5 ) بغية الطلب 5 : 127 . ( 6 ) بغية الطلب 5 : 127 . ( 7 ) الصاهل والشاحج : 668 . ( 8 ) ابن خلكان 2 : 172 . ( 9 ) معجم البلدان لياقوت 4 : 796 . ( 10 ) بغية الطلب 5 : 124 . ( 11 ) بغية الطلب 5 : 17 . ( 12 ) أدب الخواص : 71 . ( 13 ) ابن خلكان 3 : 233 . ( 14 ) بغية الطلب 5 : 15 . ( 15 ) بغية الطلب 5 : 17 .