حسن الأمين
48
مستدركات أعيان الشيعة
الرجل المغامر الذي خاص دنيا السياسة والمكايد والحروب بذكاء فذ . وقد تحس أن ذلك كله كان ذا جور على دوره العلمي والأدبي ، ومع ذلك فإنه كان مدفوعا إلى ذلك بقوة الظروف التي عاش في ظلها . ومنذ أن تعرفت إلى علاقته بأبي العلاء أثناء عملي المستمر في بعض آثار أبي العلاء ، حاولت أن أكتشف طبيعة تلك العلاقة ، وذلك التقدير الذي كان المعري يحمله للوزير . لقد وحدت بينهما المعرة - وحلب - في النشأة ، ولكن ذلك لا يكفي لتفسير علاقة ظلت مستمرة طوال العمر . وقد أدهشني حقا أن يرثيه أبو العلاء في اللزوميات ، وهو كتاب متميز بالتاملات الفكرية ، جاء بعد عهد المدح والرثاء اللذين يمثلهما سقط الزند . وقد طال بي العهد وأنا أعايش ما أجده في المصادر من شعره ونثره ، وفي أثناء ذلك صدر كتاباه أدب الخواص والإيناس ، وكان الأول منهما مصدرا بدراسة قيمة للشيخ حمد الجاسر ، كما أن الأستاذ إبراهيم الأبياري نشر الإيناس وقدم له بدراسة في المؤلف ، وقبل ذلك بكثير أصدر الدكتور سامي الدهان رسالة الوزير في السياسة ، وكتب لها مقدمة عرف فيها بالمؤلف باسهاب ، كما جمع التراجم التي وردت في ما اطلع عليه من مصادر . وقد قرأت كل هذه المقدمات وأفدت منها ، حتى لقام في وهمي أنني لا أستطيع أن أتجاوز ما قدمه هؤلاء العلماء الأجلاء . وقد أدرت المسألة في نفسي طويلا ، ثم قر العزم على كتابة دراسة عن الوزير المغربي ، فمن يدري لعلني أستطيع أن أقول فيها أشياء لم يقلها الذين سبقوني إلى دراسته . وقد كتبت كتابي في دراسة عبد الحميد الكاتب ، وحين درست الوزير المغربي وجدتني أدرس علما كبيرا من أعلام النثر ، ذا علاقة معنوية ومادية بعبد الحميد ، فالعلاقة المعنوية هي إعجابه بشيخ الكتاب ومقدمهم ، حتى سمى ابنه عبد الحميد وكناه أبا يحيى ، والعلاقة المادية هي أنه حلقة في السلسلة النضرة في تاريخ النثر الفني ، تلك السلسلة التي بدأت أولى حلقاتها بعبد الحميد . هذا هو الوزير المغربي « صانع » الملوك والدول ، أقدمه دون تزيد ، وقد كان همي الأكبر رسم سيرته حسب مراحلها الزمنية ، مع تقديم لمحة عن نشاطاته في حقول المعرفة . 1 - نسبه - جده وأبوه الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن محمد المغربي لم يكن من أهل المغرب ، وإن أوحت هذه النسبة بذلك ، بل كان مشرقيا بعيد الجذور في الانتماء المشرقي ، يرفع نسبه إلى الملك الفارسي بهرام جور ( 1 ) ، ويتناقل المؤرخون هذا النسب عنه دون شك أو إثارة لشك ، فالناس مصدقون في أنسابهم . وإنما نسب إلى المغرب لأن أحد أجداده ( وهو علي بن محمد في سلسلة النسب ) كان مسؤولا في بغداد عما يعرف بديوان المغرب ، وقد تردد ابن خلكان في قبول هذه الرواية لأن الوزير المغربي قال في كتابه « أدب الخواص » حين ذكر المتنبي « وإخواننا المغاربة يسمونه المتنبه . . . » ومن ثم استنتج ابن خلكان لقوله « إخواننا » أنه مغربي حقيقة ( 2 ) ولم يكن لهذا التردد أية ضرورة ، فان ابن خلكان لو اطلع على إحدى رسائل الوزير لدفع الشك باليقين ، فالرجل صريح في تفسير هذه النسبة إذ يقول « وكان جد أبي وهو أبو الحسن علي بن محمد يخلف على ديوان المغرب فنسب به إلى المغربي » ( 3 ) وقد ظل الجد الأعلى أبو الحسن علي بن محمد يعيش في البصرة إلى أن قام آل البريدي - وهم من إقطاعيي البصرة وممن شغل مناصب عالية في الدولة - بثورة سيطروا من خلالها على البصرة والأهواز وواسط ( 4 ) ، وذلك في حدود العام ( 324 - 325 ) فانتقل علي إلى بغداد . وقد كان له بعض مشاركة في الأدب إذ روي له البيتان التاليان ( 5 ) : وأني على الإقتار أحمل همة لها مسلك بين المجرة والنسر أؤمل نفسي لا أؤمل غيرها من الناس أو يأتي الغنى وهو ذو صغر وفي حي سوق العطش رزق بابنه الحسين - الجد الأدنى لمن أصبح يعرف من بعد باسم الوزير المغربي - وقد نشا الجد ببغداد ، وتقلد فيها أعمالا متنوعة ، وتزوج امرأة من بني الأوارجي كانت أخت هارون بن عبد العزيز الذي مدحه المتنبي بإحدى قصائده المبكرة ( 6 ) ، أنجبت له ممن نعرف ولدين هما علي ومحمد . وتحول الحسين الجد من بغداد يصحبه ختنه الأوارجي إلى حلب ، فاستكتبه ( أي الحسين ) سيف الدولة ابن حمدان ، ولم يصطحب ابنيه معه ، بل تركهما في بغداد ، وفيها كبرا وترعرعا ، واستولى الجد - حسبما يقوله حفيده - على سيف الدولة استيلاء « تشهد به مدائح أبي نصر ابن نباتة فيه » . فهو يتحدث عن « مدائح » - بصيغة الجمع - وعند الرجوع إلى ديوان ابن نباتة لم أجد له إلا قصيدة واحدة في مدحه هي القصيدة السابعة - حسب ترتيب الديوان ( 7 ) - وقد جاءت في ستة وخمسين بيتا ، وهي مصدرة بالعبارة الآتية : « وقال وكتب بها إلى أبي القاسم الحسين بن علي بن المغربي الكاتب وكان له صديقا ، وساله أن يعمل له قصيدة يشرح بها حاله مع سيف الدولة لينشده إياها ، وذلك قبل إفضاء الوزارة إلى أبي القاسم » . وقد كشفت هذه المقدمة أن القصيدة لم يكن هدفها الحقيقي بان تكون مدحا في ابن المغربي ، ولم تكن وليدة مبادرة من ابن نباتة ، بل نظمت بطلب من ابن المغربي لتكون وسيلة تلفت إليه انتباه سيف الدولة ، وأن رابطة الصداقة - لا المنزلة التي بلغها ابن المغربي - هي التي سوغت نظمها ، ولكن هذه المقدمة أفادت أن ابن المغربي الجد لم يبق كاتبا لدى سيف الدولة بل ترقى إلى منزلة الوزارة . ومن المستغرب ألا نجد لابن نباتة مدائح أخرى فيه ، بعد أن اجتمعت الصداقة وعلو المنزلة في قرن . نعم إنها تحتوي على مدح ابن المغربي في قوله : فعاش لها ابن المغربي فإنه نداه إلى حمد الرجال ذرائع أخي وخليلي والحبيب وجنتي وسيفي ورمحي والفؤاد المشايع أكل ظباه للمنون مناصب وأدنى نداه للسحاب طبائع
--> ( 1 ) الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن محمد بن يوسف بن بحر بن بهرام بن المرزبان بن ماهان بن باذان بن ساسان بن الحرون ( وقيل ساسان هو المعروف بالحرون ) بن بلاش بن جاماسب بن فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور ( ابن خلكان 2 : 172 نقلا عن ابن الصيرفي المصري ، وقد نقله غير ابن خلكان ، انظر بغية الطلب 5 : 14 ) . ( 2 ) ابن خلكان 2 : 177 . ( 3 ) بغية الطلب 5 : 16 ، وانظر أيضا 5 : 124 . ( 4 ) تجارب الأمم 1 : 366 . ( 5 ) أدب الخواص : 102 . ( 6 ) هي القصيدة التي مطلعها : أمن ازديارك في الدجى الرقباء إذ حيث أنت من الظلام ضياء ( 7 ) ديوان ابن نباتة 1 : 211 - 218 .