حسن الأمين
35
مستدركات أعيان الشيعة
البشر ، بل أنه لا يتحاشى من أن يصف قاتل ذويه وأهله بأنه ذو الإفضال والسيد الندب ، وان منه كانت ترتجى السماحة والعفو ، ثم يود أن يغالط نفسه فيذهب ملتمسا له الأعذار ليخفف من صدمته وخيبة أمله فيقول : سمعت بهم قول الأعادي فأصبحوا وكلهم في شخب أوداجه يحبو وتتجسم المأساة وتكبر وتستنزف عبراته الدامية ، ويتذكر بطولتهم وهم الصيد الغطارف ، ويذكر « إبراهيم » بمواقف قومه وتشيعهم ومؤازرتهم للرسول وآل بيته : فيا أسفا من بعد صيد غطارف جسام المعالي ليس زندهم يكبو بكل غداة تستفاض جيادهم من الماء قرنا بعد قرن له سكب ويمججن من علك الشكيم بها دما فذو شكلة منه ، ومعتبط عضب ولو أنهم خافوا التي نلت منهم لضاقت بك الأرض العريضة والرحب ! ولكنهم قالوا شريف وسيد وذو ثقة محض أبوته طب فمهلا لك الخيرات لا تبر عظمها فشعبكم من يوم كان لنا شعب ونحن لكم كف على كل ملحد ونضرب من يخفي الحقيقة أو يصبو ونحن لكم حصن حصين وشيعة فأصغيت أذنا للوشاة وقد دبوا ثم يلتفت التفاتة رهيبة إلى تلك الأفعى التي دبت ماكرة تنفث سمومها ، إلى يعلي بن عمرو بن يزيد الذي وشى بقومه إلى إبراهيم بن موسى وحرضه على قتلهم : فمن مبلغ يعلي بن عمرو رسالة تخب بها نوق مخيسة صهب بان دمانا طوقتها رقابكم وان لنا نجما يلوح ولا يخبو هنيئا بما طوقت من دم ثائر جسور على الغارات ما سيفه ينبو ولولا ابن موسى ما ظفرت بطائل ولا نيل منهم ويك هضم ولا عصب ولكن إبراهيم ملنا لعدله وقد نيربت منه الخيانة والكذب إلى آخرها وله قصيدة عينية رائعة في نفس الموضوع ، ويقول الهمداني أن شاعرنا هو الذي خلف « ابن أبان » في الرئاسة وأنه كان مكينا عند « يعفر بن عبد الرحيم الحوالي » ( 259 ه / 873 م ) وله فيه شعر يعاتبه على ما صنع بعباد بن محمد من تنكيل وسجن ( 1 ) ميرزا تقي خان ، أو ميرزا محمد تقي خان ، ابن مشهدي قربان الهزاوي الفراهاني ابن طهماسب بيك خادم ميرزا حسين وفا . المعروف بالأمير الكبير ( 2 ) كان « مشهدي قربان » في أول أمره طاهيا يتردد إلى بيوت المتمولين والأشراف يعمل في مطابخهم . ثم اختص بمطبخ « ميرزا عيسى » المعروف ب « الميرزا الكبير القائممقام » . ثم حج إلى مكة فعرف باسم « الحاج قربان بك أشيزباشي » ( آشپزباشي : رئيس الطهاة ) . وكان ابنه « تقي » أو « محمد تقي » يلازمه في بيت القائممقام ويساعده في عمله ويتعلم منه أصول مهنته . ولكن ذكاءه واستعداده الفطريين لم يلبثا أن رفعاه من منزلة أجير لأبيه إلى منزلة زميل دراسة لأبناء مخدومه القائممقام ، فتعلم القراءة والكتابة . وكان شديد التيقظ في خدمة « الميرزا أبو القاسم » القائممقام الثاني . ولذلك ما إن بلغ سن الرشد حتى دخل في خدمة الحكومة من هذا المحيط الذي نشا فيه ، بين حاشية القائممقام وحاشية « محمد خان زنگنه » أمير العسكر . فقد تبين القائممقام مقام في حالات الميرزا تقي خان دلائل الرشاد وشمائل الشهامة فجعله في عداد كتبته . ثم أصبح من كتبة « محمد خان زنگنه » أمير العسكر ، فلم يلبث أن تفوق على أقرانه بمواهبه وخبرته ، ووصل إلى المناصب العالية . فأصبح من كتاب العسكر مدة من الزمن . وفي سنة 1251 هعين محاسبا عسكريا في جيش أذربيجان . فقام بعمله بصدق وإخلاص فرفعه أمير العسكر إلى منصب « وزير العسكر » ولقبه بهذا اللقب . وهو منصب كان يعهد إلى صاحبه يومئذ برئاسة تنظيم المخصصات العسكرية لجيش أذربيجان ، وتهيئتها ، والمحاسبة ، وتنظيم أمور المواصلات والنقليات للعسكر . وفي سنة 1253 ه ( 1837 م ) سافر إلى تفليس وإيروان بأمر محمد شاه بمعية ولي العهد « ناصر الدين ميرزا » لملاقاة أمبراطور الروس « نيقولا الأول » ، وكان قد جاء إلى القفقاس ، ورافق ولي العهد في هذا السفر أيضا « محمد خان » أمير العسكر و « الحاج ملا محمود نظام العلماء » و « عيسى خان » خال « ناصر الدين شاه » . وسال الإمبراطور « محمد خان » عن أحوال الميرزا « تقي خان » فأجابه : كان في السابق محاسب العسكر ، وبعد قليل وزير العسكر ، وها هو حين سفارة صاحب السمو الملكي ، في حضرة الإمبراطور ، فقال الإمبراطور : الحمد لله على أني التقيت صديقي مرة أخرى . ثم أهداه الإمبراطور مسعطا من ذهب مرصع . وفي سنة 1260 هسافر من تبريز إلى « أرزنة » الروم ، بدلا من « الميرزا جعفر خان مشير الدولة » ، لتعيين الحدود بين إيران وبلاد العثمانيين ورفع ما بين الدولتين من اختلافات ، ونجح في مسعاه وعقدت معاهدة بين الدولتين في جمادى الثانية سنة 1262 ه ، بعد صعوبات كثيرة قاساها وثبت لها ، ومنها ثورة قامت عليه وكاد يقتل فيها . بعد وفاة « محمد خان زنگنه » أمير العسكر في سنة 1257 هلم يعط هذا اللقب والمنصب أحدا ، إلى أن كانت سنة 1264 ، وهي السنة التي توفي فيها محمد شاه وخلفه على العرش ابنه ولي عهده ناصر الدين شاه . في تلك السنة . أراد الشاه الجديد السفر من تبريز إلى طهران العاصمة ليتولى منصبه . وكانت الخزانة خالية لا مال فيها لسد نفقات هذا السفر ، وعجز وزير أذربيجان عن تهيئة المبلغ اللازم . فقام « الميرزا تقي خان » بتهيئة المال بالجهد من هنا وهناك حتى استطاع توفير ما يلزم منه لسفر لائق بالشاه . وسار ناصر الدين شاه من تبريز قاصدا طهران ، وفي معيته « الميرزا تقي خان » . فلما بلغوا بلدة « أوجان » من محافظة تبريز أنعم عليه ناصر الدين شاه بلقب « أمير العسكر » وعهد إليه بعمل صاحب هذا اللقب . وبعد جلوس ناصر الدين على العرش أضاف إلى ذلك اللقب وذلك العمل إنعاما آخر أيضا . فلقبه ليلة 22 ذي القعدة سنة 1264 هبلقب
--> ( 1 ) تاريخ اليمن الفكري . ( 2 ) يعرف في إيران باسم ( أمير كبير ) ، لأن ( ألف لام ) التعريف غير موجودة في اللغة الفارسية .