حسن الأمين

340

مستدركات أعيان الشيعة

ولم تكن هذه الأبيات الثلاثة هي كل ما قاله شعراء جبل عامل في عادل عسيران ، فقد سبق له أيام كان مضطهدا من بشارة الخوري أن كان يصاحب الشاعرين موسى الزين شرارة وعبد الحسين عبد الله ، فلما تولى كميل شمعون وزال عنه الاضطهاد وأصبح رئيسا للمجلس النيابي ، صدف أن كان الشاعران يقفان معا ، فإذا بهما يريان سيارة عادل [ عسيرن ] عسيران مقبلة باتجاههما ، فكان من الطبيعي عندهما أن يحييهما متذكرا مواساتهما له في أيامه الماضية ، ولكنه مر دون أن يلتفت إليهما ودون أن يتنازل فيحييهما ولو من بعيد ، فارتجل عبد الحسين هذين البيتين : أيا سيارة المغرور سيري ففي مسراك ( طن ) من غرور لقد مر ( الرئيس ) ولم يسلم على موسى ولا العبد الفقير وكما كان عادل عسيران موضوعا للشعراء العامليين ، كان كذلك أحمد الأسعد ، ويؤسفني أن لا يحضرني الآن شيء مما قيل فيه ( 1 ) ومما يختلف فيه أحمد الأسعد عن عادل عسيران أن أحمد الأسعد كان مقرا بقدر نفسه فلا يتفيهق ولا يتشدق بالوطنية ، في حين أن عادل عسيران كان في أول المنتخبين لمرشح الصهاينة ومرشح رئيسهم ( بيغن ) لرئاسة الجمهورية اللبنانية ( بشير الجميل ) ، فعل ذلك عادل [ عسيرن ] عسيران لأنه توهم أن النفوذ الإسرائيلي سيبقى هو المسيطر ، فمصالحه تقضي بالسير في الركاب الإسرائيلي . ثم لما عرض ما سمي باتفاق ( 17 أيار ) على المجلس النيابي ، كان عادل عسيران في أول المسارعين إلى الموافقة عليه ، وهو الاتفاق الذي يعترف بإسرائيل ويقر الصلح معها وبحكم نفوذها على لبنان . ثم لما جلا الإسرائيليون عن لبنان واستعاد السوريون نفوذهم عليه إذا بعادل عسيران منتخب مرشح الصهاينة لرئاسة الجمهورية والمعترف بإسرائيل الداعي إلى الصلح والتعامل معها وأحكام نفوذها على لبنان ، إذا بعادل عسيران هذا ، يعود متشدقا متفيهقا بالوطنية . ولم يسكت الشبان الوطنيون المناضلون على فعلة عادل عسيران فهاجموا مكتبه في بيروت مع مكاتب وبيوت غيره من رموز الخيانة وأحرقوها . ندوات أدبية في شقرا كانت قد أقيمت في بلدة شقرا حسينية كبيرة رحبة ، فرأيت أن نتخذ منها قاعة محاضرات ، فكنت بين الفينة والفينة أدعو أبناء القرى المجاورة إلى حضور محاضرة فيها تتعلق بتاريخ جبل عامل الأدبي والسياسي . وفي إحدى المرات دعوت إلى مهرجان شعري عاملي احتفالا بمرور ألف عام على ذكرى الشريف الرضي . فاحتشد لذلك مجموعة من شعراء جبل عامل الشبان ، وتوسعنا في الدعوة لحضوره توسعا كبيرا ، وكان مأمولا أن يكون من أعمر المهرجانات الشعرية العربية وأبعدها صدى . وقبل اليوم الموعود لإقامة المهرجان بيوم واحد ، وبينما كنت في الصباح في بيروت أعد حقيبتي للذهاب إلى شقرا للاشراف على إعداده إذ بأنباء الصباح تذيع أن اجتياحا إسرائيليا للحدود قد بدأ ، وأن الاجتياح قد تجاوز قرى الحدود موغلا في أعماق الجبل ، وكانت شقرا فيما شمله الاجتياح ، وهكذا تعطل المهرجان ، وكنت قد أعددت كلمة الافتتاح وأعقبتها بالقصيدة التالية : شقراء ما برح الهوى غلابا شقراء ما زالت نواك عذابا هذي التلال الخضر كم لذ الهوى فيها وكم عذب النضال وطابا ( والحومة ) الخضراء والوادي وما ضمت خياما في الذرا وقبابا وظلال ( شواثا ) ومن ساروا بها ( أسراب حسن تقتفي أسرابا ) شقراء أن تغب الجسوم فإنما شوق الأحبة في النوى ما غابا يتلفتون لعل في أرج الصبا من وادييك على الصباح ملابا ولعل منك على البعاد تحية ولعل منك على الكتاب جوابا شقراء ما زلنا بحبك فتية متوقدين حماسة وشبابا إن شاب هذا الشعر هما فالهوى غض وقلبي في المنى ما شابا شقراء كرمت ( الرضي ) وطالما كانت رباعك للرضي مثابا

--> ( 1 ) مما يذكر لراشد عسيران شقيق عبد الله عسيران وعم عادل أنه وقف موقفا نبيلا كله رجولة وشهامة حين أرادته السلطات التركية أن يشهد على عبد الكريم الخليل ورضا الصلح أمام المجلس العرفي في عالية ، فقد أبى أن يتهمهما ونفى ما نسب إليهما وأصر على براءتهما . وقد كان اعتماد السلطات في تسميته للشهادة أنه شقيق عبد الله ، وعلى أن عداء شديدا كان قائما في صيدا بين آل الصلح وآل عسيران . ولكن راشد عسيران أبى إلا أن يكون رجل المروءة والنبل فتمرد على السلطات ووقف إلى جانب الأحرار . وكم لهذا الرجل الذي عاش في الظل من مكرمات