حسن الأمين
339
مستدركات أعيان الشيعة
ثلاثة منهم كان أحمد الأسعد أحدهم . أما في السير في الشعبة الثانية فكانت إغداق الأموال على المحاسيب والأنصار وإباحة أموال الدولة لهم ، وإليك مثالا عما عرفناه مما كان يجري : فقد حدثني أحد كبار المقاولين الذين كانوا يتعهدون تنفيذ مشارع الدولة الكبرى في شق الطرق ، وهو بقاعي أنه أعلن عن إجراء مناقصة لمشروع ضخم تقدر نفقاته بالملايين ، فتقدم كعادته للاشتراك في المناقصة ، فجاءه بعض المنتمين إلى الحكم يطلب إليه بان لا يشترك ، فقال كيف لا أشترك وهذا عملي ، فقال : إني أنصحك بان لا تشترك ، فقال : إني لا أقبل نصيحتك وساشترك ، فتركه ومضى . . . وفي اليوم الثاني استدعاه وزير الأشغال العامة وكرر عليه النصيحة فأبى قبولها ، فقال الوزير - وكان يومئذ أحمد الأسعد - : إني أقول لك بصراحة تامة : أنك إذا أصررت على الاشتراك في هذه المناقصة ، فستحرم منها حتما ، وستحرم في المستقبل من الاشتراك في أية مناقصة ، وسنجد ألف وسيلة لحرمانك . فتململ المقاول وتضجر واستنكر . فقال له الوزير : افهم ما أقول لك ، ولأنك شيعي مثلي ويهمني أمرك ولا أريد لك أن تخسر المقاولات في المستقبل فاني أزيدك صراحة : إن لمسئول كبير في الدولة رجلا يريد أن يغدق عليه مبلغا كبيرا من المال ، وهذه أفضل طريقة لتحقيق ذلك ، فيتقدم وحده للمناقصة بدون منافس ، وبذلك يحصل على المال بأسلوب قانوني لا مؤاخذة فيه . . . أفهمت الآن ؟ فقال : لقد فهمت . . . ثم انسحب من المناقصة ، ورسا المشروع على المحظوظ وحده ، وفاز بالملايين بأسهل طريقة ! . . أحمد الأسعد وعادل عسيران قلنا أن بشارة الخوري اختار فريقا من النواب لا سيما ثلاثة للسير في الشعبة الأولى من طريقه وأن أحد أولئك الثلاثة كان أحمد الأسعد . وهنا لا بد من بعض الحديث عما كان من أمر هذا الشخص وأمر منافسه عادل عسيران ، وعما عاثا به في جبل عامل ، وما جنياه على هذه البقعة العزيزة . ومن العجائب أن سلفي هذين الاثنين وهما كامل الأسعد عم أحمد الأسعد ، وعبد الله عسيران والد عادل عسيران قد اتفقا على الخيانة فارتكبا مجتمعين جريمة من أقذر الجرائم هي وشايتهما أثناء الحرب العالمية الأولى بالزعيم العربي المناضل عبد الكريم الخليل عند جمال باشا وترتيبهما من يشهد عليه ويدينه ، مما أدى إلى شنقه مما ليس هنا مكان تفصيله . ثم اختلف خلفاهما حين آل الأمر إليهما على اقتسام الغنائم والاستئثار بالأسلاب وتنابذا وتعاديا في ذلك ، فشقي بهما جبل عامل وضاعت حقوقه واهتضم أهله وامتهنت كرامته على أيديهما . لقد سلط بشارة الخوري أحمد الأسعد على جبل عامل وحكمه في البلاد والعباد ووضع كل قوى السلطة في خدمته للانتقام من كل من يقف في وجهه . فكان من فظائع بشارة الخوري أنه سلط على بقعة مليئة بذوي المروءة والنخوة والشهامة وكرم النفس ، سلط عليها من هو صفر من هذه الصفات : لولا زمان خؤون في تصرفه ودولة ظلمت ما كنت إنسانا شر العصور وفي العصور تفاوت عصر به تتقدم الأوغاد ولم تكن أي معاملة تجري في دوائر الحكومة لأي إنسان إذا لم يأت بتوصية من أحمد الأسعد ، فطغى هذا وبغى ، وقد كان يمكن أن يستغل هذا الموقف لمصلحة البلاد وأهلها ، ولكنه كان أتفه من أن يفكر في ذلك ! . وبينما لم يستطع أحمد الأسعد في أول انتخابات حرة تجري في البلاد في ظل الحكم المزدوج إنكليزيا وفرنسيا خلال الحرب العالمية الثانية لم يستطع إلا أن يكون واحدا من قائمة تضم ستة نواب ، ولكي يتضح لك الأمر يكفي أن تعلم أن القائمة كانت تضم كلا من محمد الفضل وعلي العبد الله وعادل عسيران وكاظم الخليل ورشيد بيضون ، وليس بين هؤلاء واحد يمكن أن يكون محسوبا على أحمد الأسعد ، بل كان كل واحد منهم مستقلا بنفسه عن الآخرين . بينما كان الأمر كذلك في أول انتخابات حرة ، إذا بالأمر ينتهي بعد أن سلط بشارة الخوري أحمد الأسعد على البلاد والعباد أربع سنوات إلى أن الذي جاء في الانتخابات الحرة منفردا ، يجيء في هذه الانتخابات على رأس قائمة من المطاويع ينجح كل أفرادها ويسقط خصومه كلهم ! . . . وعند ما سقط بشارة الخوري وجاء عدوه كميل شمعون ، قرب إليه عادل عسيران منافس أحمد الأسعد ، وسلطه على البلاد والعباد تسليط بشارة الخوري لأحمد الأسعد ، وإذ بأحمد الناجح على رأس قائمة في انتخابات بشارة الخوري ، يسقط في انتخابات كميل شمعون ، وينجح عادل عسيران . وكما طغى وبغى أحمد الأسعد في عهد بشارة الخوري ، طغى وبغى عادل عسيران في عهد كميل شمعون . وضاعت البلاد ومصالحها وكرامتها وكرامة أبنائها بين الطاغيين الباغيين . وقد كان في جبلة عادل عسيران في الأصل جبروت وتكبر وعجرفة وغرور ، ثم جاءه المنصب فزاده ذلك على هذه الصفات استعلاء على الناس ، لذلك تحاماه كل من يحس بكرامته وشخصيته ، مثلما تحاموا منافسة أحمد الأسعد . وقد اضطر أحد الكرام بعد أن أوقعه الزمن في متاعب لم يكن له قبل بها ، لأن يلجا إلى عادل عسيران مستنجدا به ، وكان هذا الكريم شاعرا فعاد بخيبته من عجرفة عادل واستعلائه وجبروته ، عاد ناظما هذه الأبيات الثلاثة : علقت آمالي على عادل فلم أجد عدلا وإحسانا أوقفني الدهر على بابه والدهر قد يوقف أحيانا فرحت استعطف ذا غلظة وأسال اليسر « عسيرانا » وهذا هو شان العامليين يكون الشعر حاضرا عندهم في كل ما ينوبهم من أحداث .