حسن الأمين

338

مستدركات أعيان الشيعة

وخاف إميل إده من أن يتبدل رأي أمين المقدم تبديلا جديدا ، لذلك حجزه في البيت ومنع من أن يتصل به أحد . وأسقط في يد بشارة الخوري ويئس من الفوز ، وكان لم يبق لموعد الانتخاب سوى يومين فقط . وهنا خطر لأحد أصدقاء رياض الصلح من أبناء النباطية رأي هو أنه يمكن استجلاب بهيج الفضل إلى صف بشارة الخوري إذا أمكن أن يؤمن له مبلغ كبير من المال ، وقال أن بهيجا ضعيف الشخصية وفقير فيمكن إغراؤه بالمال ، ولما عرض رياض الفكرة علي أشرت برفضها ، وقلت فيما قلته في تعليل أسباب الرفض : أن ضعف شخصية بهيج الفضل الذي يراه المشير سببا في قبوله العرض ، أراه أنا سببا في رفضه له ، وذلك أن موقفا كهذا ، وانقلابا كهذا الانقلاب الحاسم من صف إلى صف يحتاج إلى أعصاب قوية ، وإرادة حازمة ، وإلى رجل يستطيع اتخاذ المواقف الحاسمة ، وبهيج الفضل عكس ذلك تماما . وأصر الحاضرون على تنفيذ هذه الخطة وصادفت هوى في نفس رياض ، فلم يكن بد من تنفيذها ، فأرسل رياض رجلا من قبله إلى بيت بشارة الخوري الذي ظل يتابع اجتماعاته الليلية مع جماعته في منزله ، وقال لهذا الرجل أن يقابل خالد شهاب ويعرض عليه الفكرة . فعاد الرسول يقول أنهم مستعدون أن يدفعوا مبلغا إذا كان بهيج الفضل مستعدا أن ينتخب بشارة الخوري ، وأنهم يدفعون أقل إذا وضع ورقة بيضاء أو غاب عن الجلسة . فلما جاء هذا الجواب بقي التفكير بمن يفاتح بهيج الفضل بذلك ، وكان بهيج محتجزا مع المحتجزين في بيت إميل إده وممنوعا من الاتصال بأحد أو اتصال أحد به . وذلك أن إميل إده خاف من الضعاف وتأثير المؤثرين عليهم فابقاهم بضعة ليال في بيته يأكلون وينامون ولا يخرجون . . . فقال أحد أبناء النباطية أن للدكتور بهجت الميرزا الطبيب في النباطية تأثيرا قويا على بهيج الفضل وأنه وحده يستطيع إقناعه ، وأردف هذا القول بقول آخر : وهو أن فلانا - يعنيني - هو الذي يستطيع إقناع الدكتور بهجت الميرزا بالقيام بهذه المهمة . فرفضت أنا أول الأمر هذا التكليف ، ولكن رياضا ما زال بي ملحا على إجابة هذا الطلب حتى اضطررت إلى الموافقة طالبا أن يصحبني رياض التامر الذي كان حاضرا في المنزل . فاستأجرت ورياض التامر سيارة توصلنا إلى النباطية وتنتظرنا فيها ثم تعيدنا إلى بيروت على أن ندفع لصاحبها خمس ليرات ورقية . وجئنا الدكتور بهجت الميرزا ، وتركت لرياض التامر أمر محادثته وإقناعه وكان رياض ذكيا فأحسن الحوار واقتنع الميرزا بالمجيء معنا والقيام بالمهمة ، وعدنا به إلى بيروت وأنزلناه من السيارة في مكان يقصد منه إلى بيت إميل إده ، وقصدت ورياض التامر بيت رياض الصلح ، ولما نزلنا من السيارة مددت يدي إلى جيبي وأخرجت محفظة نقودي لندفع أجرة السيارة فلم يكن فيها إلا ليرة واحدة ، وكان رياض قد فعل ما فعلت فلم يكن عنده أكثر مما عندي ، فحرنا في الأمر ، وكان لا بد لنا من الدخول على رياض الصلح فصعدنا إليه فاستطال سائق السيارة غيابنا فأطلق بوق سيارته إطلاقا متتابعا فأدرك رياض الصلح الأمر فقال : السائق لم يأخذ أجرته ؟ . كم هي الأجرة ؟ . قلنا خمس ليرات . فإذا برياض الصلح نفسه لا يملك هذا المبلغ ففكر هنيهة ونادى خادمة منزله وقال لها اذهبي إلى فلان - وكان من آل دوغان صاحب دكان قريبة من منزل رياض - واستديني لي منه خمس ليرات ، فذهبت وعادت بالليرات الخمس . وهكذا ونحن نحاول أن نلعب بمقدرات البلد ، وأن نرشو بألوف الليرات الذهبية ، كنا لا نملك خمس ليرات ورقية ! . . أما ما كان من أمر بهجت الميرزا فإنه عاد إلينا خائبا ، ولم نسأل عن سبب خيبته ، هل لأنهم منعوه من الانفراد ببهيج الفضل ، أم لأن بهيجا رفض العرض . ولما تم بعد ذلك انتخاب إميل إده كنت ورياض الصلح نخرج في صباح ثاني يوم الانتخاب من منزله فلما بلغنا المنعطف الموصل إلى محطة الناصرة ، إذا بنا نرى أمين المقدم مقبلا في اتجاهنا ، فلما وصل إلينا قال لرياض أنه قادم لزيارته ، وكنا غير بعيدين عن منزل رياض فعاد معه إلى المنزل ، وتركتهما أنا وغبت أكثر من ساعة وعدت إلى منزل رياض فأخبرني بان أمين المقدم جاءه معتذرا وأنه قال له : أنني حين كتبت اسم إميل إده وذهبت لأضع ورقتي في صندوق الاقتراع مررت بمقعد إميل إده وأريته الورقة وقلت له أني أنتخبك لأن رياض الصلح أمرني بذلك . . . ولم يخب رياض الصلح في موقف كما خاب في هذا الموقف . فهو لم يكن يريد أن يتظاهر بمناصرة بشارة الخوري ، ولكن خصوم بشارة عرفوا ذلك ، كما أن أنصار بشارة اتهموه بأنه لم يكن مخلصا في مناصرته لهم وأن أمين المقدم لا يمكن أن يخرج على إرادته . وجاءت الحرب العالمية الثانية ، وكانت هزيمة فرنسا وسيطرة الإنكليز وحلولهم محل الفرنسيين في سوريا ولبنان مع مشاركة لجماعة ده غول . وكان الإنكليز قد صمموا على إقامة ( إسرائيل ) على أن يرضوا السوريين واللبنانيين بإقامة حكم وطني فيهما ، فاثروا التعاون مع بشارة الخوري في لبنان ، ولو أن إميل إده هو الذي فشل في الوصول إلى رئاسة الجمهورية في عهد دي مارتيل لكان هو الذي يختاره الإنكليز ، ولمثل الدور الذي مثله بعد ذلك بشارة الخوري . ولكن صح في بشارة الخوري قول : * ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ) * . والخلاصة أن بشارة الخوري وصل إلى رئاسة الجمهورية ، وكان الحكم الاستقلالي ففهمه بشارة الخوري تسلطا شخصيا ولم تعن له فكرة ( الدولة ) ببال ، ولم يفكر لحظة واحدة في التخطيط لها ، بل انصب همه على كسب الأعوان والأنصار الذين يستطيع بهم إطالة حكمه وتركيز تسلطه . وكان طريقه في ذلك ذي شعبتين : الأولى أن يضمن في المجلس النيابي مجموعة يستطيع بها أن يسيطر على المجلس . والثانية أن يضمن في الأوساط الشعبية مجموعة تدعمه عند الحاجة إلى الدعم الشعبي . وفكر طويلا في السير في الشعبة الأولى فهداه التفكير إلى أن اختار فريقا من النواب الذين لا مطامح لهم إلا استغلال النفوذ فاستصفاهم لنفسه وأطلق أيديهم في مناطقهم يفعلون ما يشاؤن ، يقربون من يشاؤن ويبعدون من يشاؤن ، يعطون من يشاؤن ويمنعون من يشاؤن . لا سيما