حسن الأمين

337

مستدركات أعيان الشيعة

سياسات لبنانية كان من سوء حظ لبنان أن الذين قفزوا فيه إلى السلطة واستولوا على زمام الحكم في عهد الاستقلال كانوا ممن قضى حياته السابقة في خدمة الاستعمار الفرنسي مستهدفا مصالحة الشخصية ، لا يفهم من المنصب إلا أنه مغنم شخصي يجب أن يفوز فيه بأكثر ما يمكن من المغانم ، وأن فكرة ( الدولة ) والتخطيط لانشائها وتركيز قواعدها على أسس سليمة تكفل تطورها من حسن إلى أحسن ، أن هذه الفكرة لم تكن في ذهن أحد منهم . وفي الطليعة من هؤلاء بشارة الخوري الذي سار في ركاب الفرنسيين منذ حلوا في البلاد ، فتدرج في وظائفهم من أمين عام إلى قاض إلى وزير للداخلية إلى رئيس للوزراء يأتمر في كل ذلك باوامرهم وينتهى عما ينهون عنه ، ويطبق سياستهم الاستعمارية التي سموها ( الانتداب ) . ولم يعرف في طول تلك الفترة أن كلمة ( الاستقلال ) خرجت من فمه ، أو عن له مفهومها على بال . وظل كذلك إلى أن انتهى الأمر إلى أن يتنافس مع إميل إده على منصب رئاسة الجمهورية التي كانت في ذلك الحين مجرد وظيفة كبيرة تابعة لإدارة المفوض السامي الفرنسي ، وراح هو وإميل إده يتسابقان على كسب رضا ( ده مارتيل ) وما يمثل منصبه من تسلط فرنسي ، ولا يستطيع بشارة الخوري أن يزعم أنه كان له يوم ذاك برنامج يختلف عن برنامج منافسه ، أو أن له شروطا تباين شروطه ، أو أنه نطق بكلمة واحدة تتنافى مع الاستسلام للفرنسيين . فقد كان هو وإميل إده فرسي رهان في تنفيذ المخططات الاستعمارية توصلا إلى المناصب والنفوذ . وكان لا بد للمفوض السامي الفرنسي ( ده مارتيل ) من أن يختار بين رجليه الاثنين المتنافسين ، وكان ده مارتيل هذا مستهترا وكان متعلقا بزوجة أحد القناصل في بيروت ، واستطاع إميل إده أن يضمن تأييدها ففرضته على ده مارتيل ، وما ذا يهم ده مارتيل إذا كان إميل إده رئيسا للجمهورية أو كان بشارة الخوري ما دام كل واحد منهما طوع إشارته ، ولكن إذا كان في اختيار أحدهما إرضاء للفاتنة الجميلة ، فعند ذلك يكون الأفضل هو اختيار من تختاره وهكذا كان ففاز إميل إده على بشارة الخوري . ويئس بشارة الخوري من المنصب ، ومع ذلك فلم يخرج عن عبوديته للفرنسيين ، وكل ما فعله أنه كان يردد كلمة ( الدستور ) ، وأي قيمة لدستور في ظل الحكم الاستعماري ، وما فائدة العمل بالدستور الذي وضعه الفرنسيون وعملاؤهم إذا كان على العامل به أن ينفذ في العمل به إرادة الفرنسيين ؟ ! . وكان ترديده لكلمة الدستور مخرجا لتخبطه بعد فشله في منافسة إميل إده ، ولو أنه كان هو الذي اختاره ( ده مارتيل ) لما عنت له كلمة الدستور ولا خرجت من شفتيه ، وكان حلالا كل الحلال أن يسير كما سار إميل إده . ولو أن إميل إده كان هو الفاشل لوجد هو الآخر شيئا يتشبث به ويدعيه ! . . وما دمنا قد تعرضنا للمنافسة بين إميل إده وبشارة الخوري ، وذكرنا كيف أن الفصل في اختيار رئيس الجمهورية كان في أيدي الخليلات الجميلات ، فإننا نرى أن نذكر شيئا مما يتعلق بذاك الأمر قدر لنا أن نشارك فيه ، نذكره لنرى كيف كانت تقرر مصائر الأمور . لقد كنت في تلك الأيام مرتبطا في العمل الوطني برياض الصلح وكنا نعمل في خط واحد لمقاومة الفرنسيين ومحاربة انتدابهم ، وكان رأينا متفقا فيما يتعلق بانتخابات رئاسة الجمهورية ، وهو أن لا مصلحة وطنية تدفعنا لتأييد أحد المرشحين ما دام منهجهما واحدا : هو الاستسلام للفرنسيين ، فوقفنا في أول الأمر موقف المتفرجين ، ثم لما تبين أن قرار دي مارتيل قد استقر على اختيار إميل إده ، ارتاى رياض الصلح أن نناصر بشارة الخوري نكاية بدي مارتيل ، فلم أوافقه أول الأمر على هذه الفكرة ، ثم لما رأيت أن في رأيه بعض المنطق عزمنا على خوض المعركة إلى جانب بشارة الخوري لا لشيء إلا أن في ذلك نوعا من المعاكسة للسلطة الفرنسية . وكانت تربط رياض الصلح بنائب طرابلس أمين المقدم رابطة قربى وصداقة متأصلة ، فأرسل له من ينبئه بأنه واقف إلى جانب بشارة الخوري وأنه يأمل من قريبه وصديقه الحميم أن يكون له الموقف نفسه . فأقر أمين المقدم رياض الصلح عينا وأرسل إليه أنه ليس من المعقول أن يكون له موقف يناقض موقفه ، وأنه يستطيع أن يطمئن إلى ذلك وأن يطمئن من يشاء . واتصل رياض ببشارة الخوري وأنباه أنه حين يحسب أنصاره فله أن يحسب منهم أمين المقدم . ثم أخذت الأمور تتبلور وأخذ الكر والفر يجريان من هنا وهناك حتى استقر الحال على تعادل الكفتين . وكان المجلس مؤلفا من خمسة وعشرين نائبا ، فإذا إلى جانب إميل إده اثنا عشر نائبا ، وإلى جانب بشارة الخوري نفس العدد ، وبقي كل منهما يحتاج إلى نائب واحد ليفوز بالرئاسة ، وكان النائب المجهول الموقف ، والذي لا يدري أحد إلى من سينضم فيرجح الكفة هو أمين المقدم . وكان بشارة الخوري مطمئنا إلى وعد رياض الصلح ، ورياض الصلح مطمئنا إلى وعد أمين المقدم ، ولما لم يبق لحلول يوم الانتخاب إلا أيام ، أرسل رياض الصلح إلى أمين المقدم طالبا إليه وجوب الحضور إلى بيروت ، فأجاب أمين أنه سيحضر صباح بعد الغد . وخطر لرياض الصلح ولجماعة بشارة الخوري أن يرسلوا إليه من يتلقاه قبل الوصول إلى بيروت وأن يوصلوه رأسا إلى بيت رياض ، فتولى هذه المهمة النائب محمد العبود وخرج يلتقي أمين المقدم . وجئنا إلى بيت رياض مبكرين بانتظار وصول أمين المقدم ، ومر الضحى وارتفع النهار ولم يصل أمين المقدم ، ومر الظهر وصرنا على مشارف الأصيل ولم يصل أمين ، وطال انتظار محمد العبود ومن معه فملوا الانتظار وجاؤا بعد الأصيل وحدهم إلى بيت رياض ، وكثر التساؤل عما أخر أمين المقدم ، وبينما نحن في حيرة من الأمر ، إذا بقادم حوالي الغروب ، يفاجئنا بان أمين المقدم هو الآن في بيت إميل إده ، وقد وصل إليه بعيد شروق الشمس مصحوبا ببعض أعوان إميل إده الذين رافقوه من طرابلس ومضوا به رأسا إلى بيت إميل إده ، ومنعوا أيا كان من الاتصال به فضلا عن الإصرار على عدم خروجه من البيت . . . ثم تبين أن المساعي قد حولته إلى صف إميل إده ، واختلف في تحديد هذه المساعي فقيل أنها الضغط الفرنسي ، وقيل أنها المال ، وقيل أنهما معا . .