حسن الأمين
316
مستدركات أعيان الشيعة
إن لي من علي صولة المستقتل فاحمل تنجل غمرة الهول الرهيب الرجال كالرمال في السهول والجبال القتال النضال كلنا داع مجيب لن يسود لن يسود في فلسطين اليهود يا أسود للحدود دونكم تل أبيب تل أبيب تل أبيب جاء اليوم العصيب لن نؤوب أو يواريك اللهيب وزحفت الجيوش وتوهجت مع زحفها آمالنا ، وتعلقت قلوبنا بكل خطوة تخطوها ، ولم يخف بعض أصحابنا عدم ثقتهم بما يجري ، وكانوا يخشون مكر اليهود وطول استعدادهم لهذا اليوم ، كما كانوا يتخوفون من سطحية العرب وهوجهم في مثل هذا الموقف ، ويتحدثون عن خطوات اليهود المدروسة المحكمة منذ حلت طلائعهم في فلسطين ، وعن ارتجالات العرب في كل ما فعلوا . . . كان بعض أصحابنا يقولون هذا بجمجمة وتخافت وبحسرة وألم . ولكن الناس - جميع الناس - ونحن منهم ، أخذوا أول الأمر بما يذاع عن التقدم والتوغل ، ولم يؤخذوا بالحذر والتخوف . ثم أخذت الأنباء تتوالى وفيها ما يريب ، ثم صار فيها ما يخيف ، ثم صار فيها ما يبعث على الياس . وأذكر أني كنت أسير يوما في شارع الرشيد على قدمي ، وصدف أن كان مروري أمام أحد المتاجر في اللحظة التي كانت فيها إذاعة الشرق الأدنى تبدأ بإذاعة الأخبار ، فتوقفت لأستمع أخبارها ، فإذا أول خبر تذيعه هو احتلال اليهود لمدينة ( جنين ) ، ولن أنسى أبدا وقع هذا الخبر علي . وفي المساء كنا نستمع إلى أخبار إذاعة بغداد ، فإذا بصوت المذيع يجلجل معلنا أن ( جنين ) في قبضة القوات العراقية ، وأن هذه القوات تطارد العدو في أنحاء ( المثلث ) ، واسم المثلث في ذلك الحين يعني ما يعنيه اليوم اسم ( الضفة الغربية ) ، وهم يقصدون به مثلث نابلس ، جنين ، طول كرم . وبالرغم من أن الإذاعة العراقية كانت رصينة إلى حد ما ، فلم تكن تكثر من التبجج الباطل ، وكانت أخبارها أقرب إلى الثقة بها ، فإننا حسبنا أول الأمر أن هذا الخبر يراد به تهوين النازلة بالادعاء بحصول ما لم يحصل . . . هذا فضلا عن أن أخبار إذاعة الشرق الأدنى كانت دائما هي المصدر لأخبار الحرب الحقيقية باعتبارها غير منتمية لأحد الفريقين . وهي إذاعة قوية أنشأها الإنكليز في قبرص وحشدوا لها طاقة كبرى : إخبارية وثقافية ، فكانت هي المسيطرة على مسامع المتعطشين إلى الأخبار ، فلم يكن من المعقول أن تذيع خبر سقوط جنين في حين أنها لم تسقط . ثم لم تلبث الحقائق أن انجلت : فلم تكن إذاعة الشرق الأدنى كاذبة ، ولا كانت إذاعة بغداد هي الأخرى كاذبة . وذلك أن اليهود فاجاوا جنين بقوات كثيفة ولم تكن فيها إلا حامية عراقية لا يتجاوز عدد أفرادها العشرات فاستطاع اليهود النفاذ إلى مداخل جنين مما اعتقد معه مراسلو الشرق الأدنى أنها سقطت بأيديهم . ولكن الحامية العراقية القليلة العدد ظلت تتصدى لليهود وتعيق تقدمهم ، وفي الوقت نفسه أرسلت استغاثة إلى القائد العراقي عمر علي الذي كان يسير بقواته في اتجاه آخر . وتلقى عمر علي الاستغاثة فغير اتجاهه وأسرع إلى جنين فتلقاه اليهود بقواتهم ، وصمد لهم عمر علي بوقاتة وتصارعت القوتان بالأسلحة النارية ثم تغامستا بالحراب . وتلألأت الحراب العراقية وتضرجت بالدم ، دم اليهود التي طالما اشتاقت هذه الحراب لأن تتضرج به ، وجاءتها الساعة التي وضعتها وجها لوجه أمام أعدائها الألداء المتوحشين ، وهذه هي فرصتها لتنتقم لمجازر دير ياسين ، ولتعيد إلى الشرف العربي شموخه ورفعته ، ولن تضيع هذه الفرصة أبدا . . . وأحسن البطل عمر علي قيادتها وأحسنت هي الاستجابة له . وانجلى الأمر عن الهزيمة الماحقة لليهود بعد أن ارتوى الصعيد العربي بدمائهم وانتثرت جثثهم في أطرافه من كل ناحية . وخاب أمل اليهود في الاستيلاء على الضفة الغربية ، فسلمها الجيش العراقي للعرب سنة 1948 عربية خالصة ، وأعادها إليهم عزيزة مكرمة . ثم سلمها العرب لليهود سنة 1967 ذليلة مهانة . . . ومن ماسي الدهر العربية أو مهازله أو فواجعه أو ما شئت من نعوت أن البطل عمر علي ، بطل إنقاذ الضفة الغربية ، وحامي حمى جنين ونابلس وطول كرم ، سيق بعد ذلك في يوم من الأيام مقهورا مصفدا منكوس الرأس ليحاكمه السفيه ( المهداوي ) . في دار المعلمين الريفية لم يستطع مرور الزمن أن ينسيني أيام الحلة ، وكنت قد صممت على أن أتابع حياتي التدريسية فيها ولا أنتقل منها إلى مكان آخر ، ولكنني فوجئت في ابتداء العام الدراسي الثاني بنقلي إلى دار المعلمين الريفية التي تقع في منطقة الرستمية من ضواحي بغداد فلم أشا أن أعترض على ذلك ، فواصلت العمل فيها ، وكانت تقع على ضفة نهر ( ديالى ) في موقع جميل تحوطه المروج الخضراء والشجر الغضيض . وكما أوحت الحلة شعرا فقد أوحت مثله ( الرستمية ) ، وكان كله حنينا إلى الأوطان والأحباب . وإذا كانت القصيدة اليائية المتقدمة المنظومة في الحلة تفيض أسى ولوعة ، فالحقيقة أنها لا تمثل حياتي في الحلة التي كانت بشرا وسرورا وبهجة ، ولكنها تمثل فترة معينة من تلك الحياة ، هي فترة وصولي الأولى إلى الحلة إذ كان لم يمض شهر على وصولي إليها حتى أتى العيد وكنت لم امتزج بأحد من أهلها فشعرت بالغربة الأليمة والشوق الشديد والوحدة الموحشة ، فكانت تلك القصيدة من وحي ذلك كله .