حسن الأمين

317

مستدركات أعيان الشيعة

وإني لأظلم الحلة إذا كانت القصيدة اليائية تمثل حياتي فيها ، وإنما تمثلها بعض التمثيل القصيدة اللامية التي آسف لفقداني لبعض أبياتها . ومن وحي شواطئ ( ديالى ) في الرستمية هذه الأبيات : سقت سرح ( الدواوير ) الغوادي وجاد رياضها المطر السكوب تحب النفس مغناها ويهوى مسارحها الفؤاد ويستطيب فكم راق العيون بها شروق وطاب على محانيها غروب وفي تلعاتها كم رف ثغر وكم خفقت بواديها قلوب يعاودنا إذا خطرت حنين وإن ذكرت يهيج بنا وجيب أسرح التين هل في الواد شاد وهل في السفح غريد طروب وهل تمشي إليك على الليالي ( سروب الغيد تتبعها سروب ) أتزهو بعدنا ثم المغاني أيحلو السفح والوادي الخصيب خلت تلك الخيام فلا محب يعاطيه الهوى فيها حبيب وعطلت المرابع بعد أنس وصوح بعدنا الروض العشيب ذكرناكم على شطي ( ديالى ) فطاب لنا بذكركم النسيب وكنتم في النوى ريحان قلب على شحط النوى وجدا يذوب نايتم فالمنازل موحشات وبنتم فالربيع بها جديب لئن طابت لياليكم فليست ليالينا لبعدكم تطيب وأن تردوا المناهل صافيات فانا في مناهلنا نلوب إذا عذب الفرات لوارديه يغص به على الناي الغريب وكذلك كان مما أوحت به ( الرستمية ) بعد فراقها والرحيل عنها هذه القطعة التي فقد بعضها ولم يبق منها إلا هذا الذي أذكره هنا ، وهو حنين إليها وإلى ديالى خاصة وإلى العراق عامة : دالت الدنيا علينا يا ديالى فهجرنا « الشط » والماء الزلالا وتركنا في محانيك انظلالا وارفات تملأ الوادي جمالا كم أطلنا في النوى عنها السؤالا وسهرنا الليل شوقا وهياما أين في « الفيحاء » عن عيني النخيل أين وادي دجلة أين السهول وديالى العذب فياضا يسيل أين بغداد وشاطيها الجميل يا ليالي الشط والناي طويل اذكري ما عشت صبا مستهاما أين عن عيني وادي « الرستمية » أين سحر الصبح فيها والعشية أين روضات مغانيها الندية ولييلات محانيها الوضية لم تزل نفسي على البعد وفية تعشق الشط وتهوه مقاما وأحسب أن هذه أول مرة يذكر فيها ديالى والرستمية في الشعر العربي . كانت دار المعلمين الريفية طرفة من الطرائف فيها يجتمع المئات من التلاميذ القادمين إليها من كل قرية في العراق ، من زاخو إلى الفاو كما يعبرون في العراق . فيهم العربي القادم من الشمال والجنوب ( 1 ) والوسط . وفيهم التركي القادم من منطقة كركوك وفيهم الكردي القادم من كردستان . وكان تدريس قواعد اللغة العربية وآدابها لهذه المجموعات مهمة من أشق المهمات ، ولكنها في الوقت نفسه تشتمل على أنواع من الطرف المضحكة . وكان التلاميذ الأكراد والأتراك يأتون إلينا وكل محصولهم من اللغة العربية هو أنهم أصبحوا يحسنون النطق بها ، وكان علينا أن نعلم هؤلاء قواعد اللغة العربية وآدابها . وهنا كانت المشاق وما يتخللها أحيانا من الطرف . وقد حدثنا أحد زملائنا من مدرسي اللغة العربية أنه اختار للاستظهار قصيدة الشاعر المصري علي الجارم التي يقول في مطلعها : ( بغداد يا بلد الرشيد ) وأنه بعد أن فسر للتلاميذ ألفاظها وشرح معاني أبياتها ، وأكد في الشرح على معنى ( لوح الوجود ) الوارد ذكره في القصيدة ، وسال التلاميذ هل فهمتم معنى لوح الوجود فأجابوا بالإجماع : نعم . فاطمان لذلك ، ثم خطر له ليزداد اطمئنانا أن يسال أحد التلاميذ هذا السؤال : أين هو لوح الوجود ؟ وصدف أن كان المسؤول تلميذا كرديا ، فأجابه التلميذ : موجود في الإدارة . ويعني بالإدارة مكتب المدير . ومثل هذا كان يحصل دائما . على أننا نظلم التلاميذ الأتراك والأكراد إذا اعتبرناهم وحدهم في هذا المستوي من المعرفة باللغة العربية وآدابها . فقد كان بين التلاميذ العرب من هو أعرق في الجهالة من هؤلاء . والتلاميذ الأكراد والأتراك معذورون لأن اللغة ليست لغتهم . ولكن ما عذر التلاميذ العرب ؟ . لقد كان جهدنا منصبا على أن يعرف هذا الخليط من التلاميذ مواقع الرفع والنصب والجر من الأسماء ، ومواقع الرفع والجزم والنصب من الأفعال ، وقد كانت هذه المهمة من أصعب المهام وأشقها ، وكانت تحتاج منا إلى صبر وجلد وتحمل ، وكنا بهذا الصبر والجلد والتحمل نحقق الكثير من النجاح ، ومن الطبيعي وهذا الحال حالنا وحال تلاميذنا أننا كنا نبتعد بهم عن تعقيدات النحو لأنها ستحملهم على كره هذا الدرس واستثقاله وتنفرهم منه ، بينما كنا نسعى لتحبيبه إليهم وجعلهم يألفون دروسه ، وأما في الأدب فقد كنا نختار لهم من الشعر ما كان سهل الفهم واضح المعنى صريح الألفاظ . مدرسة الفقراء لقد كانت دار المعلمين الريفية مدرسة الفقراء ، والقرويين منهم بصفة خاصة ، فهؤلاء لم يكن باستطاعتهم بعد أن يتموا دراستهم في قراهم ، أن يتحملوا الإنفاق على أنفسهم خارج قريتهم ليتابعوا الدراسة الثانوية ، بذلك كانوا يقبلون إلى دار المعلمين الريفية التي تتكفل بمساكنهم وطعامهم وملابسهم . ثم تضمن لهم بعد أربع سنوات تعيينهم في القرى معلمين براتب خمسة دنانير لكل منهم . وقد كان الوصول إلى قبض هذا الراتب حلمهم الذهبي

--> ( 1 ) كما كان فيها تلاميذ من اليمن وحضرموت .