حسن الأمين

315

مستدركات أعيان الشيعة

وفي هذا اعتراف صريح بان فاروق هو الذي أدخل جيش مصر في معركة فلسطين . ومع أنني انظر إلى إبراهيم عبد الهادي خلال تولية الحكم نظرة ملؤها الكره والتقريع لما جنت يداه من مظالم ومغارم واعتبر سجنه بعض ما يستحقه من دهره ، فإنني أنكر على من عدوا مشاركته في مسؤولية إدخال مصر في الحرب الفلسطينية تهمة يجب أن يسال عنها وأن غلقوا ذلك بغلاف عدم الاستعداد للحرب . وعلى هذا الأساس يجب أن يحاكم جميع من يخسرون الحروب بحجة أنهم دخلوا الحرب دون الاستعداد لها . وإذا كان الذين أشركوا مصر في حرب سنة 1948 يجب أن يحاكموا على هذا الأساس ، فما هو الشأن إذن في الذين استدرجوا بطيشهم ورعونتهم وغوغائيتهم وخفتهم وقصر نظرهم إلى حرب سنة 1967 . هذا استطراد كان لا بد منه ونحن نمر بذكر حرب سنة 1948 وموقف العراق منها . بعض الحقائق قلت أن حكومة النقراشي دخلت الحرب بغير إرادتها ، وكان من سوء الحظ أن قيادة الجيش المصري عهدت إلى ( المواوي ) وهو كما قيل عنه قد يصلح لكل شيء ولكن لا يصلح لقيادة تلك الحرب ، فكان همه التقدم وإذاعة البلاغات عن توغل جيشه في فلسطين تاركا وراءه المستعمرات اليهودية الحصينة ، وقد أدت خطته إلى توزيع الجيش هنا وهناك وجعله قطعا مشتتة يبعد بعضها عن البعض الآخر مما سهل على اليهود الانقضاض على تلك القطع تعاونهم مستعمراتهم المنتشرة وراء الجيش المصري ، مما أضاع على هذا الجيش بسالة ضباطه وجنوده وجعلها عبثا . ولما استبدلوا بالمواوي بعد ذلك القائد فؤاد صادق الذي كان كفوء في القيادة استطاع أن يصمد بجيشه صمود الأكفاء . وقد استغل النقراشي هزائم الجيش المصري ليتخلص من الحرب فتلقت منه الحكومة العراقية برقية مطولة تعرض الواقع دون أن تحدد المطالب ، بل أحاطت ذلك بغموض مقصود مما كان موضع استغراب ، ولا شك أن الحكومات العربية الأخرى تلقت مثل هذه البرقية ، ولكن لا شك أيضا أن المقصود بالبرقية هو العراق أولا لأن قوته كانت هي الأولى . وقد كانت الحكومة العراقية تشرك في كل الشؤون الفلسطينية خلال الحرب السفير اللبناني كاظم الصلح ، ومنه عرفت أمر البرقية وما تلاها من أحداث . فبعد تلقي البرقية عقدت الوزارة العراقية جلسة برئاسة الأمير عبد الإله دعت إليها فريقا من الخبراء العسكريين وشهدها جانبيا كاظم الصلح وبعد طول تذاكر تقرر الرد على البرقية بما معناه : أننا لم نعرف ما هو المطلوب منا ولا ما ستقرره مصر في هذا الشأن لنحدد موقفنا ، وقد افترضنا ثلاثة احتمالات ( وهنا يذكرون الاحتمالين الأولين ) ، ثم يصلون إلى الاحتمال الثالث وهو مواصلة القتال ، ويقولون ( العراقيون ) أن هذا رأينا الذي نشير به ، ولئلا يطول الوقت بتبادل البرقيات فإننا أعددنا العدة لكل الاحتمالات ومنها الاحتمال الثالث فصدرت الأوامر إلى قطعات جيشنا في فلسطين ليكون على تمام الأهبة لانجادكم حيث تطلبون ، كما بدأنا هنا باعداد نجدات لارسالها فورا إلى فلسطين . وفي اللحظة التي نتلقى بها جوابكم ينفذ كل شيء . وكنا نحن ننتظر في السفارة اللبنانية القرار العراقي وإذا بالسفير يصل حاملا إلينا صورة عن نص البرقية . وأكرر القول هنا أنني في تلك الأيام لم أهتم بتسجيل النصوص والوقائع ، ولكنني أؤكد كل التأكيد أن نص البرقية لا يخرج عن المحتوى الذي ذكرته . وبعد أن اطماننا إلى ما جرى مضينا إلى منازلنا وفي الصباح كان كاظم الصلح يتصل بوزارة الخارجية ليعرف الجواب المصري ، ومضى النهار دون أن يصل الجواب ، ثم لم نلبث أن عرفنا أن حكومة النقراشي أذاعت من إذاعتها في القاهرة نص برقيتها زاعمة أنها بقيت بدون جواب ، فدهشنا لذلك ، وأدركنا أن النقراشي يمهد للانسحاب من الحرب متذرعا بخذلان العرب له ، وأنه حين أرسل برقيته كان بحسب أن الجواب العراقي سيكون مائعا فيتمسك به ويجعله من مبررات استسلامه ، ولكن لما وجده حازما صارما تجاهله وزعم أنه لم يتلق جوابا . وبالفعل لم تطل الساعات حتى أعلن النقراشي قبول حكومته للهدنة واستعدادها للمفاوضات وذهب وفدها إلى رودس وجرى ما جرى ( 1 ) الجيش العراقي المظلوم كان قرار دخول الجيوش العربية إلى فلسطين لابطال التقسيم والحئول دون قيام الدولة اليهودية منعشا لآمالنا فعلقنا تلك الآمال على الجيوش المتحفزة وعلى ما يمكن أن تحققه من نصر يحفظ للعرب وطنهم وشرفهم . ولقد طلب مني أحد الأصدقاء من الضباط العراقيين أن أنظم نشيدا ينشده جنوده في زحفهم المرتقب ، وليدرك القارئ مدى ما كانت تجش به نفوسنا من طموحات النصر أذكر هذا النشيد هنا وهو : تل أبيب جاءك اليوم العصيب لن نؤوب أو يواريك اللهيب لا قرار في الديار أو يوافيك الدمار الفرار للبحار سدت اليوم الدروب الجنود في الحدود لن تحيد أو تبيد سنعيد بالحديد حقنا الماضي السليب يا علم لا تضم وترنح في القمم فالهمم كالضرم والحفاظ كاللهيب

--> ( 1 ) في سنة 1949 صرح عبد الرحمن الرافعي وزير التموين في حكومة حسين سري أنه لم يكن من مصلحة مصر الحرب مع اليهود وأن الجامعة العربية كانت ضررا على مصر .