حسن الأمين
312
مستدركات أعيان الشيعة
أن تشتريها الحكومة المصرية . وكان من أسموا أنفسهم ( السعديين ) مشاركين في تلك الوزارة وكان رئيسهم محمود فهمي النقراشي عضوا فيها ، فرفض إسماعيل صدقي هذا الطلب ، وقال لما ذا نشتري فرقة مدرعات فنحن لن نحارب أحدا . قال هذا لأن فلسطين لم تكن في ذهنه أبدا . وهكذا ضاعت الصفقة البخسة الثمن من العرب لأن إسماعيل صدقي وحكومته لا يرون لهم علاقة بفلسطين . ويقدر بعض العسكريين العرب ما كان يمكن أن يكون لهذه الفرقة المدرعة من نتائج حاسمة لو أنها دخلت مع الجيش المصري في معاركه في فلسطين مع اليهود . هكذا كانت نظرة بعض المصريين والحكم المصري الفلسطين ، وهكذا رأوا أن الجيش المصري لا يحتاج إلى فرقة مدرعات بخسة الثمن لأنه لن يحارب أحدا . ولكن النحاس كان يرى عكس ذلك في تبنيه قضية فلسطين . وإذا كانت خطوة النحاس هي الخطوة الأولى ، فقد خطت مصر في عهد الحكم المسيطر عليه فاروق الخطوة الكبرى نحو عروبة مصر واعتبار شعب مصر جزءا من الأمة العربية التي تعتبر قضية فلسطين قضيتها . ففي أوائل سنة 1939 وقد بدت طلائع الحرب العالمية الثانية وبدا أن لا بد من وقوعها ، أراد الإنكليز أن لا يدخلوا تلك الحرب ، وهم في عداء مستحكم مع العرب ، بسبب قضية فلسطين ، فدعوا إلى مؤتمر في لندن يتمثل فيه جميع العرب ليكون الحل - إذا وقع الحل - حلا عربيا جماعيا . ولما كان النحاس قد أدخل قضية فلسطين في صلب القضايا المصرية وأصبحت مصر من العرب المسؤولين عنها ، فقد دعيت مصر إلى حضور هذا المؤتمر مثلما دعيت كل الحكومات العربية . وكان فاروق هو المسيطر على الحكم المصري في تلك الفترة ، وقد كانت هذه السيطرة تتم له حين يستطيع إقصاء الوفد عن الحكم والإتيان بوزارة منتمية إلى ( أحزاب الأقلية ) كما كان يعبر عنها يوم ذاك وهي حزب الأحرار الدستوريين وحزب السعديين ومن إليهم التي تصل إلى الحكم بإرادة فاروق بعد تزوير الانتخابات والتلاعب بإرادة الشعب . ولكي يبدي فاروق اهتمامه بهذا المؤتمر وتبنيه له انتدب له فيمن انتدب اثنين ينتميان إليه شخصيا ويمثلانه هو بالذات أكثر مما يمثلان الحكومة ، وهما الأمير محمد عبد المنعم أحد أمراء العائلة المالكة وابن الخديوي السابق عباس حلمي وجعله رئيسا للوفد ، وكان سبب اختياره له أن وفدين عربيين آخرين هما الوفد اليمني والوفد السعودي كان يرئيس كلا منهما أمير من أمراء العائلة المالكة فأراد أن يبزهما في تبني القضية الفلسطينية وأن يدل بأنها من اهتمام أسرته المالكة بالذات . والرجل الثاني الذي اختاره هو رئيس الديوان الملكي علي ماهر ، وبذلك كان حضور فاروق الشخصي في الوفد حضورا بارزا . وإذا كان الأمير محمد عبد المنعم هو رئيس الوفد فان المحرك الفعلي له هو علي ماهر ، وقد كانت مواقف علي ماهر في إدارة الوفد مواقف عربية أصيلة بارعة . ومن مواقفه يوم ذاك أن الإنكليز عرضوا على العرب أن يسمحوا بدخول 75 ألف يهودي إلى فلسطين خلال خمس سنوات وبعد ذلك تمنع الهجرة . وكانت قضية هجرة اليهود إلى فلسطين هي أهم شيء في نظر العرب ، فرفض الوفد الفلسطيني هذا العرض بشدة فسايرته الوفود العربية كلها في هذا الرفض ، والوحيد الذي قبل العرض ولم يساير الوفد الفلسطيني كان علي ماهر ، وأدى الأمر إلى حصول تشاد بينه وبين الوفود العربية ، ولكنه ما زال بهم حتى وافقوه . ويقول علي ماهر فيما تحدث به بعد فشل المؤتمر وانفضاضه : « كنت أريد أخذ إمضاء بريطانيا على صك رسمي يحدد الهجرة ويغلق أبواب فلسطين ، ولا خوف بعد ذلك على البلاد . . فلما قلنا للانكليز أننا نوافق على اقتراحكم ونقبل هجرة العدد الذي تطلبونه ، إذا بهم ينكلون ويعلنون فض المؤتمر ، وبذلك صحت نظريتي في الإنكليز » . والحقيقة أن الإنكليز كانوا يريدون أن ينسبوا فشل المؤتمر إلى العرب فعرضوا الاقتراح المذكور لاعتقادهم أن الوفد الفلسطيني سيرفضه وستسايره الوفود العربية ، وهذا ما حصل ، ولكن علي ماهر أفسد خطتهم ، وأظهر أنهم هم الذين لا يريدون حل قضية فلسطين إلا وفق ما يريد اليهود . أما الخطوة الكبرى نحو تعريب مصر وإبرازها عربية صريحة ، واعتبارها جزءا لا يتجزأ من الأمة العربية فهي الخطوة التي خطأها مصطفى النحاس يوم كان رئيسا للوزراء سنة 1943 . فدعا الحكومات العربية إلى ما أسماه ( مفاوضات الوحدة العربية ) ، وهي أول مرة ينطق بها مصري بهذه الجملة ( الوحدة العربية ) باعتبار مصر جزءا من تلك الوحدة . نطق بها النحاس لا في مجلس خاص ولا في تصريحات عابرة ، بل نطق بها باعتباره رئيسا للوزارة المصرية ، وكان نطقه بها في مجلس ممثل للشعب المصري . ففي 30 آذار سنة 1943 ألقى صبري أبو علم وزير العدل المصري في مجلس الشيوخ باسم مصطفى النحاس بيانا رسميا قال فيه وهو يتحدث عن دعوة الحكومات العربية للمفاوضات : « . . . وانتهيت من دراستي إلى أنه يحسن بالحكومة المصرية أن تبادر باتخاذ خطوات رسمية في هذا السبيل فتبدأ باستطلاع آراء الحكومات العربية المختلفة فيما ترى من آمال ، كل على حدتها . ثم تبذل جهودها للتوفيق والتقريب بين آرائها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا ، ثم ندعوهم بعد ذلك إلى مصر معا في اجتماع ودي لهذا لغرض حتى يبدأ المسعى للوحدة العربية . . . » . ومن الطريف في هذا الموضوع أن النحاس في بيانه هذا وهو يدعو للوحدة العربية ، سمى العرب : ( الأمم العربية ) . إذ ختم بيانه بقوله : « وإني أسال الله أن يلهم السداد قادة الأمم العربية . . . » . وذلك من رواسب الماضي الذي كان يعتبر العرب أمما لا شعوبا يجمعها جميعا اسم ( الأمة العربية ) . ويبدو أنه وجد من نبه إلى هذا الأمر فقد زالت بعد ذلك كلمة : ( الأمم العربية ) وحلت محلها كلمة ( الشعوب العربية ) . ومما يجب ذكره أن النحاس اعتبر فلسطين كواحدة من الدول العربية ،