حسن الأمين

313

مستدركات أعيان الشيعة

فدعا مندوبا عنها للمشاورة والمذاكرة كاي مندوب لأي دولة عربية . وقد جرى هذا لأول مرة . وإذا كان الأمر قد انتهى بعد ذلك إلى قيام الجامعة العربية لا ( الوحدة العربية ) ، فذلك لعوامل من أهمها العامل اللبناني . ولكن يكفي النحاس أنه أقام الجامعة العربية التي كانت برغم عيوبها المظهر البارز لأمة عربية واحدة منها مصر . أما إدخال مصر في صميم العمل العربي الواحد إلى حد إراقة الدم المصري إلى جانب الدماء العربية الأخرى المراقة في سبيل هدف واحد وقضية واحدة فقد كان العامل فيه هو الملك فاروق . أقول هذا ، وأنا من أشد الناس مقتا لفاروق ، ومن أكثرهم استبشارا بزوال عرشه ، ولكني كما مقته في الحق فان الحق وحده هو الذي يحملني على إنصافه حيث يجب الإنصاف . وذلك أنه عندما قرر العرب دخول جيوشهم إلى فلسطين سنة 1948 أعلن النقراشي رئيس الوزارة المصرية أن مصر لا شان لها بذلك ، وأن أقصى ما يمكن أن تفعله هو أن ترسل قطعة من جيشها إلى الحدود مع فلسطين كنوع من المظاهر التأييدية المعنوية لا أكثر من ذلك . وفي خريف سنة 1947 ، وخلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة بدا الاتجاه نحو تقسيم فلسطين وإنشاء دولة يهودية فيها ، فكان على العرب أن يعملوا في ميدانين : ميدان هيئة الأمم المتحدة لمنع اتخاذ قرار بالتقسيم ، وهذه المهمة كانت موكولة إلى وفود الدول العربية وما يقومون به من اتصالات مع وفود الدول المختلفة أعضاء الهيئة ( 1 ) أما الميدان الثاني فهو ميدان القوة العسكرية في حال إقرار التقسيم ، أي أن يحال بالحرب دون تحقيق التقسيم وقيام دولة اليهود ولدرس الوسائل المؤدية إلى إحراز القوة العسكرية المطلوبة دعي مجلس جامعة الدول العربية إلى عقد دورة لبحث الأوضاع السياسية وشتى نواحي القضية الفلسطينية ومناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأنها ، وبصورة خاصة لدراسة موضوع الدفاع عن فلسطين . وانعقد مجلس الجامعة في 7 تشرين الأول 1947 في عالية بلبنان ، وحضرته وفود عن جميع الدول العربية على أعلى المستويات فيهم عدد من رؤساء الوزارات ووزراء الخارجية والدفاع . وعند ما تناول المجلس بالبحث موضوع الدفاع عن فلسطين تحمس عدد من أعضاء الوفود لا سيما صالح جبر رئيس الوزارة العراقية ورئيس الوفد العراقي ونادوا بوجوب تدخل الجيوش العربية النظامية لانقاذ فلسطين . وفي غمرة الحماسة التي سادت المجلس وقف محمود فهمي النقراشي رئيس وزراء مصر ورئيس وفدها إلى الجامعة حين ذاك وقال مخاطبا المجلس : « أرجو من الاخوان الاتزان والتفكير السليم وأن لا يقرروا اليوم أمرا لا يستطيعون تنفيذه غدا . إني أرجو من حضرات المجتمعين وبصورة خاصة من أعضاء وفد فلسطين أن يعلموا بان مصر لن تتدخل عسكريا في فلسطين ولن تخوض غمار حرب دفاعا عنها ، ولكنها مستعدة أن تساهم مع سائر الدول العربية في عملية جدية ومعقولة للدفاع عن فلسطين وإنقاذها . أقول هذا بصراحة وصدق لكي لا ينخدع أحد بمظاهر الحماسة التي انطلقت في هذا المجلس » . وظل هذا رأي النقراشي وحكومته . ثم توافد بعض قادة العرب إلى مصر للتداول مع حكومتها في هذا الأمر ، فكان أن حسم الملك فاروق الموضوع بان أرغم النقراشي وحكومته على تبديل موقفهما ، وكما قلنا من قبل فان حكومات ( أحزاب الأقلية ) كان فاروق هو الذي يفرضها على الشعب ، وكان هو الموجه والحاكم الفعلي فيها ، فلم يسع النقراشي وحكومته إلا الخضوع لأوامر فاروق .

--> ( 1 ) يحسن هنا أن نشير إلى موقف السعوديين في هذا الموضوع : يروي فارس الخوري الذي كان مندوب سوريا في هيئة الأمم المتحدة عندما عرضت قضية فلسطين على الهيئة ، وكانت أمريكا تحمل لواء الدعوة إلى تقسيم فلسطين وقيام دولة اليهود ، وكان العرب يناضلون لمنع ذلك - يروي فارس الخوري في مذكراته أنه حين كان يحاول إقناع رؤساء وفود الدول بتأييد حق العرب في فلسطين ومنع التقسيم - قال له مندوب كولومبيا : لما ذا تسالوننا الوقوف إلى جانبكم وقضيتكم في يدكم . إن هذا الرجل وحده ، وأشار إلى فيصل بن عبد العزيز السعودي لو ذهب إلى البيت الأبيض وهدد بقطع البترول وكان جادا في تهديده لانقلبت سياسة أمريكا رأسا على عقب ولوقفت منكم محايدة إذا لم تقف مؤيدة . إن القضية في أيديكم وحدكم وأنتم تدركون هذه الحقيقة فلما ذا تتجاهلونها ؟ ! ويستطرد فارس الخوري فيقول بأنه اجتمع أكثر من مرة بالأمير فيصل بن عبد العزيز رئيس وفد بلاده لدى الأمم المتحدة وقال له أرجوك أن تكتب إلى والدك برجائنا وإلحاحنا بقطع البترول عن أمريكا ، والأفضل لو يقطعه فعلا مع التهديد بعدم إعادة ضخه ما لم تصن الحقوق العربية صيانة كاملة في فلسطين . وأنه أكد للأمير فيصل أن هذا العمل سوف يساعد إلى حد كبير في جعل الأمريكان يفكرون ألف مرة ويترددون قبل أن يقدموا على عمل فيه إجحاف بحقوق عرب فلسطين . ويقول فارس الخوري أنه التقى بعد أيام بفيصل وساله عن جواب والده على ذلك الاقتراح فأرسل يديه في الهواء علامة الياس . وينهي فارس [ الخورق ] الخوري كلامه بقوله : فكان أن خسرنا قضية فلسطين ( فارس الخوري وأيام لا تنسى ، الصفحة 305 ) . وقد كانت هذه مواقف السعوديين في كل أدوار ثورت فلسطين وأحداثها ، فمما يرويه المناضل الفلسطيني أكرم زعيتر في يومياته عن ثورة فلسطين سنة 1937 - 1938 أنه بلغ من تنكر عبد العزيز بن السعود لفلسطين وثوارها أن منع جريدته ( أم القرى ) التي تصدر في مكة حتى من مجرد ذكر أخبار الثورة وأخبار رجالها فقد قال أكرم زعيتر في الصفحة 426 من كتابه ما نصه : « أتابع منذ مدة جريدة أم القرى التي تصدر في المملكة السعودية . وقد اشتهيت أن أقرأ فيها كلمة واحدة عن فلسطين وثورتها . وكنت قد أشرت إلى هذا باستغراب في جريدة العمل القومي ، ولفت نظر الأستاذ محمد علي صاحب الشورى المقروءة في البلاد العربية إلى هذا ، فكتب في ( شوراه ) عدة مرات . « وكتبت في العمل القومي تحت عنوان ( جائزة ) كلمة أنهيتها بقولي : انني أقدم جائزة هي اشتراك سنة في هذه الصحيفة أو في أي صحيفة أخرى لمن يكتشف كلمة فلسطين في جريدة أم القرى . « واليوم قرأت في العدد 1456 من جريدة النهار ( بيروت ) المؤرخ في 11 آب 1938 مقالا افتتاحيا بقلم صاحبها الأستاذ جبران التويني ، حياه الله جعل عنوانه : ( بعد زيارة وزير المستعمرات لفلسطين ، أم القرى تنشر أخبار الحرب في إسبانيا والصين ولكنها لا تنشر حرفا واحدا عن ماسي فلسطين ) . « وقد ختم الأستاذ التويني مقاله بقوله : أمامنا العدد الأخير من أم القرى وقد ملئت صفحاته الثمان بأخبار نجد والحجاز وأخبار الحرب في الصين والحرب في إسبانيا ، وليس فيه كلمة واحدة عن المآسي التي تقع في فلسطين ، أفلا تستحق فلسطين العربية في نظر أم القرى أن تذكر حوادثها على الأقل كما تذكر حوادث إسبانيا والصين ، وما ذا يقول الناس عندما يشهدون هذا الإهمال الفاضح لعرب فلسطين في جريدة تصدر في معهد العروبة ؟ » .