حسن الأمين
311
مستدركات أعيان الشيعة
إليها بقصاصات من الصحف التي تتحدث عن مواقف عبد الإله لا سيما الصحف غير العراقية ، كما سألتني في بعض رسائلها أن أكتب لها عما أتصوره عن موقف الرأي العام العربي من عبد الإله في هذه الظروف . ولم أكن أشك في أن كل ما كتبته العميدة كان بطلب من الملكة عالية ، وأن الملكة كانت تطلع على رسائلها لي وعلى أجوبتي لها . ولعدم شكي بذلك كنت أتعمد مصارحتها بالحقائق ، فكان في بعض ما كتبت إليها : أن مواقف الأمير تلقى صدى حسنا ولكن ليس من السهولة ولا بهذه السرعة يمكن أن يزول من النفوس ما كان عالقا بها - سواء بالحق أو بالباطل - من تأثير الدعايات القوية المؤثرة . وأن ثقة الناس واكتساب حبهم وعطفهم تحتاج إلى أعمال بطولية متتابعة . . . وكان من حسن حظ الملكة عالية أنها ماتت قبل أن تشهد ما حل بابنها وأخيها بعد ذلك . استطراد لا بد منه وما دمنا في الحديث عن حرب سنة 1948 ودخول الجيوش العربية إلى فلسطين فلا بد من إشارة موجزة إلى بعض الأضاليل التي نشرت فانتشرت عن تلك الحرب والتي تريك أن التاريخ زيف في زيف وأن الناس كتبوه حسب أهوائهم ، ويكتبونه الآن حسب أهوائهم وسيظلون يكتبونه حسب أهوائهم . . . وأنه إذا قيل من قبل أن التاريخ يكتبه المنتصرون ، فإننا نستطيع أن نقول اليوم بان التاريخ يكتبه لا المنتصرون فحسب . بل يكتبه الأبرع في الادعاء والأقوى في البث والأنشط في النشر والأوسع حيلة في التضليل والأمهر في الاستهواء . لقد كتب يوم ذاك عن موقف الجيش العراقي ما كتب من الشر المريع واتهم قادته بما اتهموا به ، وانتشرت كلمة ( ما كو أوامر ) التي نسبت إلى أولئك القادة زاعما من اخترعها أن القادة العراقيين كانوا يجيبون بها من يطلب إليهم التقدم . إن ما فعله الجيش العراقي وما أنكر على ذلك الجيش ما فعله ، وما أشاعه المشيعون عنه ، وما سجله المسجلون وأذاعه المذيعون وكتبه الكاتبون مما لا يزال منتشرا بين الناس حتى اليوم وسيظل هو الحقيقة بين الناس حتى آخر يوم . أن هذا وحده هو الدليل على زيف كل ما كتبته كتب التاريخ عند من عرفوا حقائق ما جرى للجيش العراقي في ذلك الوقت . وقد كنت بحكم اتصالي الوثيق بالسفارة اللبنانية يوم ذاك - إذ كان سفيرها المناضل الوطني والمفكر العربي كاظم الصلح - مطلعا على كثير من الحقائق والمفاوضات ، وإني لآسف كل الأسف إني لم أسجل في تلك الفترة الأحداث اليومية حدثا حدثا . ولم أكتب وقائعها واقعة واقعة ، وبذلك ضاع كثر من الأمور التي لو سجلت يومها لكان فيها جلاء ما لم يجل من الحقائق ونقض ما برز من الأضاليل . وقبل الدخول في هذا الموضوع لا بد لي من الإشارة العابرة إلى موضوع آخر هو وثيق الصلة بموضوعنا ، وهو الحقيقة في تحول مصر من الابتعاد عن العروبة إلى الاقتراب منها ثم الدخول في صميمها والمشاركة في حروبها ، فقد تجوهل الرجال الذين حققوا ذلك ونسي مدونوا التاريخ ما فعله أولئك الرجال ، لأن التدوين كان في أيدي من يكرهونهم ويريدون الغض منهم . . . ومن حقي هنا أن أقول إني لم أكن أحب أكثر أولئك الرجال ، وإني كنت في عواطفي من خصومهم ، لا لشيء سوى إنكاري عليهم تصرفاتهم الأخرى ، ولقد سرني سقوط من سقط منهم . ولكن ذلك لا يمكن أن يحولني عن تسجيل ما لهم من فضل وحفظ ما لهم من حق . وإذا كنت قد عاديتهم في الحق ، فاني أنصفهم في الحق . . . فانا مثلا كنت ولا أزال معجبا ( بالوفد ) ورئيسه مصطفى النحاس ، مقدرا كل التقدير لنضاله الوطني وقيادته الشعب المصري في الحرب على الإنكليز وعلى استبداد الملك فاروق . فانا وفدي متحمس للوفد مناضل عنه في حين أن لا صلة عملية لي بنجاحه أو فشله ، ولا صلة شخصية بأحد من رجاله . ولكن متابعتي لمسيرة الوفد ورئيسه مصطفى النحاس جعلتني ( وفديا ) وأنا في لبنان ككل الوفديين في مصر . وبهذه الروح وحدها ، وبهذا الخط وحده أنصفت وساظل أنصف أعداء الوفد الألداء فيما فعلوه من خير . فانا أكره علي ماهر ، وهذا الكره متسبب عن عدائه للوفد ورئيسه مصطفى النحاس ودسه الدسائس عليه ، ولما كان هذا هو مصدر الكره ، فإذا فعل علي ماهر فعلا حسنا فاني أسجله له وأحييه من أجله . وكذلك الملك فاروق ، ولكن هذا لا يمنعني من أن أنصف فاروقا حيث يجب إنصافه . لقد نسب الناسبون إلى من نسبوا إدخال مصر في الحظيرة العربية ومشاركتها في معارك العرب وإعلانها أنها جزء من الأمة العربية ، ومع أن فضل هؤلاء في هذا الموضوع لا ينكر أبدا بل هو موضع تقدير كبير ، فان من الحق أن نقول أنهم ليسوا هم من فعل ذلك ، بل [ جاؤاهم ] جاؤهم ووجدوا مصر في قلب الأمة العربية وفي صميم معاركها ، فاستمروا في هذ المسار وأكسبوه كثيرا من البريق . إن أول من تبنى قضية فلسطين من المصريين واعتبرها جزءا من همه وموضوعا أصيلا من مواضيعه الكفاحية هو مصطفى النحاس عندما كان رئيسا للوزارة المصرية سنة 1937 . وكانت مصر قد عقدت معاهدتها مع بريطانيا ودخلت عصبة الأمم ، فأوعز النحاس لمندوب مصر في العصبة أن يتبنى قضية فلسطين في جلسات العصبة ويدافع عنها . ولأجل أن نقايس بين موقف مصطفى النحاس وبين وقف من جاؤوا بعده يكفي أن نقول أنه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أخذ الإنكليز يصفون مخلفات الحرب ويتخلصون منها ببيعها بأبخس الأثمان . وكان من ذلك فرقة مدرعات كاملة عرضوا على إسماعيل صدقي رئيس الوزارة المصرية يوم ذاك