حسن الأمين

310

مستدركات أعيان الشيعة

الطبيعي أن يكون ميل الملكة عالية إلى أخيها أكثر من ميلها إلى عمها ، فاجتمع رأي نوري ورأي عالية إلى حجة طه الهاشمي ، وأيقن الحاضرون بان نوري مصمم على اختيار عبد الإله فكان أن طلبوا إلى نوري أن يبقى أمر آرائهم سرا لئلا يغضبوا عبد الإله عليهم وكل منهم يطمح بالتقرب إلى من ستؤول إليه الوصاية على عرش العراق ، وبالرغم من أن نوري وعدهم بذلك فان الأمر لم يبق سرا . ومن تصاريف القدر العجيبة أن الأمر انتهى بين عبد الإله ونوري السعيد إلى التنافر والتخاصم ، وصار لهذا جماعته ولهذا جماعته ، حتى أن مرشحي السلطة للانتخابات النيابية - حين يكون نوري رئيسا للوزراء - كانوا قسمين : مرشحي البلاط ، كما كانوا يسمونهم ومرشحي الحكومة . كما أن الأمر انتهى بين طه الهاشمي وعبد الإله إلى الشر ، ويكفي أن نشير هنا إلى ما ذكره كامل الجادرجي في مذكراته عن الاجتماع الذي دعي إلى حضوره رؤساء الوزراء السابقون ورئيس الوزراء العامل مصطفى العمري مساء الثالث من تشرين سنة 1952 والذي حضره أيضا رؤساء الأحزاب المعارضة : طه الهاشمي رئيس الجبهة الشعبية ، ومهدي كبة رئيس حزب الاستقلال ، وكامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديموقراطي . قال كامل الجادرجي في الصفحة 551 من مذكراته : « اجتمعت بطه الهاشمي ومهدي كبة فاتفقنا على أن نكون مستمعين أكثر منا متكلمين وأن يقتصر بحثنا فيما إذا اضطررنا إلى الإجابة المسهبة على شرح المذكرات التي قدمناها » . وبعد أن يستعرض الجادرجي أقوال الآخرين في الاجتماع المذكور يقول : « وتكلمت أنا وشرحت وجهة نظر الحزب التي جاءت في المذكرة شرحا مسهبا نوعا ما كما مهدي كبة . . . ثم تكلم طه الهاشمي فقال : من منكم أو منا كان حرا في تأليف وزارته ؟ ومن منا كان حرا في الكثير من أعماله ؟ . إن الحكم يجب أن يكون بعيدا عن الاستغلال ، ثم استدرك بقوله : إننا جميعا لم نبتعد عن استغلال النفوذ فيجب أن ينتهي هذا الدور . . . وكان قد تكرر خروج الأمير من الاجتماع وعودته إليه ، فلما عاد أخيرا إليه قال : كلكم تكذبون متى أنا تدخلت في أمور الدولة ؟ متى أبديتم النصح لي ولم أسمع ؟ . متى استغليت نفوذي ؟ . ثم وجه الخطاب إلى طه الهاشمي قائلا : أنت تتهمني باستغلال النفوذ . أنت كذاب ، أنت استغليت ضعفي في الوثبة وكتبت في الجرائد ذلك المقال ضدي كان كله كذبا . أنت كذاب . تقول أنه سيقع في العراق مثل ما وقع في مصر . أنا لا أخاف ذلك . أنا لا أهتم بهذه الأمور . . . ثم دخل الأمير مع طه بمشاجرة حول أمور وقعت سنة 1941 فأنكرها طه فقال الأمير : ما أقوله هو الصحيح أنت تكذب . أنت كذاب . . . وقد أراد طه أن يترك القاعة - عندما بدأ الأمير بتوجيه الإهانات إليه - ولكن الأمير صرخ بوجهه قائلا : اجلس اجلس . . . لا تخرج . . . تحمل ما سأقوله لك ، فأطاع الهاشمي الأمير طاعة عسكرية وجلس « . وكذلك فان الملكة عالية نفسها بدت وكأنها نادمة على ما ورطت به أخاها في وصاية العرش بعد أن ساءت الحالة العراقية وما عرض لعبد الإله من مشاكل ومتاعب واتهامات ونقمة لا سيما بعد الحركة التي عرفت بحركة رشيد عالي الكيلاني واضطرار عبد الإله إلى اللجوء إلى قاعدة الحبانية وانتقاله بعد ذلك إلى الأردن ، ثم عودته إلى بغداد إثر فشل الحركة ، وما بدا به من أنه عاد في ظل الجيش الانكليزي . ثم ما توالى بعد ذلك من انتفاضات شعبية لم تهدأ ، مما جعل عبد الإله وكأنه المسؤول عن كل ذلك . وكانت عميدة معهدنا ( أمت السعيد ) على صلة وثيقة بالملكة عالية وبعبد الإله وبقية الأميرات إذ أنه كان قد عهد إليها بتعليمهم والاشراف على تربيتهم أيام طفولتهم فظلت لصيقة بهم بعد ذلك تقضي أوقاتا كثيرة في مجالسة الملكة عالية والأمير عبد الإله . وكنت موضع ثقة العميدة واعتمادها في المعهد ، فكانت تحدثني في جلسات خاصة عن كثير من شؤون الأسرة المالكة . ومما قصته علي : أن الملكة عالية كانت تتألم لأخيها موقعة اللوم على نفسها بأنها كانت السبب في تحمله مسؤولية الوصاية وما جرته عليه . ومما حدثتني به العميدة : أن عبد الإله كان شديد التألم من مواقف عمه الأمير ثم الملك عبد الله ، وأنه كان يقول : أن عمي يورطنا في تصرفاته فيتصرف هو ونحمل نحن جميعا تبعة تصرفاته ، وأن عبد الإله كان أحيانا يضرب جبهته بيده غيظا من عمه عبد الله ويصرخ مستنكرا ، ولكنه يكتم ذلك عن الناس . وكان سبب خلاف عبد الإله مع نوري السعيد ، إنكاره على نوري الاستسلام الكامل للانكليز ، وعند ما كان يهم باقصاء نوري - وقد أقصاه في بعض الحالات - كان الإنكليز يفرضونه عليه فرضا . وأذكر أنه عندما دخلت الجيوش العربية فلسطين سنة 1948 كان الملك فيصل مع والدته في لندن يتابع دراسته ، وكانت ترافقهم هناك العميدة أمت السعيد ، وكانت تراسلني من لندن إلى بغداد ، ومما فهمته من رسائلها أن عالية كانت مغتبطة كل الاغتباط من حماسة أخيها عبد الإله لدخول الجيش العراقي إلى فلسطين ومن خطابه في قطعات الجيش العراقي الزاحقة خطابا عاطفيا حماسيا مؤثرا . كما كانت مغتبطة من قبل من ذهاب أخيها إلى القاهرة ومساهمته في إقناع المصريين في المشاركة في الحرب مساهمة كانت فعالة ، بما في ذلك من تضحية شخصية منه بلقاء الحاج أمين الحسيني في حين أن عبد الإله يعتقد - عن صواب - أن مصائبه في اضطراره للجوء إلى قاعدة الحبانية ثم الذهاب إلى الأردن ، ثم الظهور في العودة إلى بغداد كمن هو عائد بفضل الحراب البريطانية ، إن مصائبه هذه كان سببها الرئيسي الحاج أمين . وكان اغتباط الملكة عالية بمواقف أخيها هذه يرجع إلى أنها ستكون عاملا في تقريبه من الشعب . وقد كتبت إلي العميدة أمت السعيد فيما كتبت من لندن أن أبعث