حسن الأمين
304
مستدركات أعيان الشيعة
وكان وقت مقابلته لبشكوف قد دنا فأسرع ذاهبا إليه وانتظرته في دكان الحلاق . فما هو غير قليل حتى عاد بمثل ما ذهب به من الحماسة ، وقال لي : لقد طبقت تعليماتك حرفيا وتركت بشكوف يغلي غليانا من الغيظ ، فما هو العمل الآن ؟ وكيف لي بتحمل غيظ المستشار وغضب الافرنسيين ؟ . . فقلت له : وهل أنت أول من غاظ المستشار وأغضب فرنسا ؟ ألا ترى ما يجري في سوريا ؟ ألا ترى زعماءها يجاهرون الفرنسيين بالعصيان والتمرد ، فما ذا استطاعت فرنسا بكل جبروتها أن تفعل بهم ؟ لقد نفت بعضهم لبعض الوقت ثم اضطرت إلى إعادتهم ، فعادوا معززين مكرمين من مواطنيهم . وأنت لست دونهم ومواطنوك ليسوا دون مواطنيهم . . . فقال : وكيف نتصرف الآن ؟ فقلت له : الرأي أن نذهب الآن إلى بيروت ، وهناك سنلتقي بذوي الرأي ونستمع إلى آرائهم ، ونتكل على الله ونبدأ بإشعال المعركة . فشعرت أن الأمر قد هاله ، فصمت صمتا طويلا ، ثم قال امهلني إلى ما بعد الظهر . فخشيت أن تهمد حماسته ويتردد ، وأن يقابل بعض الانهزاميين الخانعين فيثنوه عن عزمه . فقلت له : لا مجال للامهال ، وعلينا أن نغتنم كل ساعة للعمل الجدي ، فهلم بنا إلى بيروت ، فاستجاب ومشى معي بخطوات بطيئة وهمة فاترة مستهولا ما هو مقدم عليه . وأخيرا كنا في السيارة متجهين إلى بيروت ، وكنت قد اتفقت مع أحد الأصدقاء أنه بمجرد أن يرانا نصعد السيارة ، يتصل بالهاتف بمنزل رياض الصلح ببيروت ويخبره بتوجهنا إليها . وكان لعبد اللطيف في بيروت ابن أخت هو في الوقت نفسه صهره يسكن بيتا متواضعا في محلة البسطة فذهبنا إليه رأسا . ولما استقر بنا المقام وقبل أن يسألني عن الخطوة التالية قلت له : أن فتى من آل الصلح قد توفي ، ويصادف هذا المساء يوم أربعينه ، فالرأي أن نذهب إلى منزلهم معزين مشاركين في ذكرى الأربعين . وكنت أعلم سلفا بالصعوبة التي تنتظرني في إقناعه بتنفيذ هذا الاقتراح ، لأن عداء مستحكما كان بين كامل الأسعد شقيق عبد اللطيف وبين رضا الصلح عميد آل الصلح ، ومع أن الاثنين كانا قد انتقلا إلى رحمة الله منذ سنين ، فان من المفروض أن تكون العداوة موروثة . وصح ما توقعته فاستنكر هذا الاقتراح استنكارا صارما ، وقال كيف يمكن أن أبدأ آل الصلح بالزيارة ! ولا سيما رياض ابن رضا وبيننا وبينهم ما تعلم ؟ ! . فلم أزل في محاورته وتقريب الأمور إليه وتذكيره بان الدنيا تغيرت وأن لنا كل المصلحة في هذه الزيارة فيما نحن مقدمون عليه . فلان وقال لي ضاحكا : لقد هورتني منذ مقابلة بشكوف ولا بد لي من السير معك في هذا التهور إلى النهاية لنرى إلى أين ستوصلني في النتيجة . . . وكان من المتفق عليه أن يستقبل في المنزل بحفاوة وأن يكون جماعة من وجهاء أحياء بيروت وفريق من الشبان حاضرين وأن يرحب الجميع به . وفي أوائل الليل ذهبنا إلى منزل رياض الصلح فلقي هناك من التكريم والترحيب ما أرضى كبرياءه ، وأثار سروره فبدا منشرحا كل الانشراح . وبعد أن أقمنا حوالي الساعة ، التفت إلي مشيرا بان قد آن لنا أن نغادر المنزل ، وكان الناس قد أخذوا بالانصراف ، فهمست في أذنه بضرورة البقاء لأن اجتماعا سيضمنا مع بعض النخبة بعد انصراف الجمهور لندرس الخطوات التالية . وهكذا كان ، فلما لم يبق سوى المطلوب بقاؤهم التف حوله الخاضرون وذاكروه فيما هو مقدم عليه وشجعوه ووضعوا أنفسهم في تصرفه . وقد كان لا بد من جمع بعض أقربائه حوله لئلا يشعر في نفسه في أنه وحيد ، وكان من يمكن جمعهم هم ابنه أحمد وابنا أختيه أحمد الناصيف ورياض التامر . وكان ابنه أحمد في ذلك الحين شيئا مهملا لا يحس أحد بوجوده ، وكان يسكن في بيروت في مكان على سطح فندق السنترال ، فصار يحضر اجتماعاتنا ويرافق أباه في تنقلاته ، ثم تبين بعد ذلك أن الافرنسيين اتصلوا به وجعلوا منه جاسوسا على أبيه وعلينا فكان ينقل إليهم أخبار كل تحركاتنا . والذي كشف المسألة ، أنه تقرر إقامة حفلة لعبد اللطيف الأسعد في منزل محمد مطر وهو أحد العامليين الساكنين في بيروت . ولم يعلم بهذا القرار سوى رياض الصلح وعبد اللطيف وابنه أحمد وأنا ، وتفرقنا ليلا كل إلى منزله على أن يتم الاتصال بصاحب المنزل غدا . وفي الساعة الثامنة صباحا كان صاحب المنزل يستدعى إلى مديرية الأمن العام الفرنسي ويقال له أن حفلة ستقام في منزله لعبد اللطيف الأسعد ، وأن هذا يثير عليه غضب السلطات ، وأنه إذا وافق على إقامة الحفلة فلا يلومن إلا نفسه . فأبدى لهم استغرابه وأنه لا علم له بشيء من هذا . فقالوا له : اسال رياض الصلح أو حسن الأمين فعندهما الخبر اليقين . وحوالي الساعة التاسعة والنصف كان يوافينا إلى منزل رياض الصلح ويقص علينا ما جرى مبديا استعداده لتحمل مسؤولية الحفلة فاعفيناه من إقامة الحفلة ، وبقينا حائرين فيمن أوصل الخبر إلى إدارة الأمن العام بهذه السرعة ، ومن هو المطلع على كل خطواتنا . فإذا بنا أمام الحقيقة المرة ، وإذا بأحمد بن عبد اللطيف يتجسس على أبيه ، مضافا إلى مهمته الأخرى وهي العمل على تثبيط عزيمة أبيه ومحاولة تثنيه عن خوض المعركة . وقبل ذلك عندما قررنا أن ينتقل عبد اللطيف إلى جبل عامل ليعلن هناك عزمه على ما عزم عليه ، وأن ينقل الخبر بنفسه إلى العامليين وأن يكون طريقه على النباطية ، وهناك يوافيه ولده أحمد وابن أخته رياض التامر بمجموعة من الفرسان تنتقل معه من النباطية مارا بها على أكبر عدد من القرى ، فيدخلون القرية بخيولهم المطهمة وحدائهم الفروسي الحماسي ، فيثيرون العزائم ويستفزون النفوس . وقسمت منطقة ( بلاد بشارة ) ( 1 ) أي ما يقع جنوب نهر الليطاني إلى قسمين : قسم يقصده رياض وقسم يقصده أحمد فيجمع كل منهما ما يستطيع جمعه من الفرسان - وكانت القرى يوم ذاك مملوءة بالخيل - ثم يسلك
--> ( 1 ) هي المنطقة التي يكثر فيها أصدقاء آل الأسعد .