حسن الأمين
305
مستدركات أعيان الشيعة
رياض طريق وادي السلوقي فوادي الحجير فجسر القاقعية فعقبة زوطر وصولا إلى النباطية . ويسلك أحمد طريق تل النحاس فجسر الخردلة ثم صعودا إلى كفر تبنيت فالنباطية . ثم يدخل الاثنان النباطية كل من ناحيته بالأهازيج الحماسية المثيرة المتحدية ، ثم يصطحبون جميعا عبد اللطيف منطلقين معه بموكبهم الفروسي إلى الطيبة . ويوم ذاك أطلقنا الحداء الذي اشتهر بعد ذلك في جبل عامل ، والذي كان على الفرسان أن يرددوه وفيه ما فيه من التحدي العنيف لبشكوف بخاصة ، ولفرنسا كلها بعامة . ولقد اعتبره بعض الناس تحديا جزافيا مضحكا ، ولكنه كان يوم ذاك أفضل ما ينشد وخير ما يهتف به في مثل الظروف التي كنا فيها ، وإذا كانت البلاغة - كما قالوا - مطابقة الكلام لمقتضى الحال ، فلم يكن في تلك الفترة أبلغ من ذلك النشيد : بشكوف خبر دولتك سلطاننا عبد اللطيف باريس مربط خيلنا ورصاصنا يوصل جنيف ولكن أحمد الأسعد أفسد الخطة كلها ، فما أن وصل بفرسانه إلى تل النحاس ، وكان فيه مخفر للدرك حتى استوقفه رقيب المخفر وقال أنه مكلف بان يرجوه بان يتصل هاتفيا بصيدا . ودخل أحمد إلى الهاتف . وروى الرقيب بعد ذلك ما سمعه : بأنه كان يسمع صوت أحمد وهو يقول : أمرك . . . أمرك . . . ويكررها بين فترة وفترة . وأخيرا قال : لا يكون إلا ما يرضيك . وخرج أحمد إلى فرسانه وقال لهم : لقد تبدلت الخطة وعليكم التفرق إلى قراكم . ثم اختار اثنين منهم وطلب إلى أحدهم أن يسرع فيلاقي رياض التامر قبل وصوله إلى النباطية ويطلب إليه وإلى فرسانه العودة من حيث أتوا . ويقصد الثاني أباه عبد اللطيف في النباطية ليطلب إليه العودة إلى بيروت . ولما لقيت رياضا بعد ذلك ولمته على عودته ، قال لي أنه فهم أن ذلك تقرر باتفاق الجميع ، وأنه لو لم يستنتج هذا الاستنتاج وعلم أن المصدر هو أحمد لواصل سيره إلى النباطية . ثم تبين بعد ذلك أن الذي كلم أحمد هو محافظ صيدا أسعد عقل ، ولم يدر أحد بتفصيل الحديث الذي كان طويلا بينهما ، ولم يظهر منه سوى كلمة : أمرك ، ولا يكون إلا ما يرضيك التي سمعها رقيب الدرك . ومن ذلك اليوم بدأ أحمد يتجسس على والده وعلينا ، ويثبط عزائم والده ويحاول أن يثنيه عن إكمال الطريق . قلت فيما تقدم أنه كان لا بد من جمع بعض أقرباء عبد اللطيف حوله ، وأنه كان ممن يمكن جمعه هم ابنه أحمد وابنا شقيقتيه أحمد الناصيف ورياض التامر . وبالفعل فقد رافق هؤلاء الثلاثة في أول الأمر عبد اللطيف . أما ابنه أحمد فقد رأينا ما كان موقفه ، وأما ابن شقيقته أحمد الناصيف فلم يلبث أن نكص على عقبيه وتخلى عن خاله . وبقي ابن شقيقته الآخر رياض التامر صامدا مع خاله لم يثنه وعد ولا وعيد ، ملازما له في حله وترحاله . وكان مثل هذا الموقف في تلك الأيام التي كان فيها مجرد ذكر اسم ( بشكوف ) كافيا لدب الذعر فيمن يعتبرون أنفسهم من الشجعان - كان مثل هذا الموقف من رياض التامر نوعا من البطولة . رحم الله رياض التامر ما كان أطيب شمائله وأصفى حديثه وأشجع قلبه وأسمى وفاءه وأعذب مجلسه . رحمه الله بقدر ما كان نائيا عن الصغائر مولعا بالفضائل . . . ونحن لم نتوقع أن ينجح عبد اللطيف في الانتخاب ، لأن في يد السلطة كل الوسائل لاسقاطه مهما نال من أصوات الناخبين ، وكان كل همنا أن لا يفوز مرشح السلطة بالتزكية ، وكل خوفنا أن لا ترى السلطة معارضا يقف في وجهها . على أن النتيجة فاقت ما توقعنا فقد لقي عبد اللطيف من الإقبال عليه ومن التحمس له في أوساط الشعب ما لم يكن منتظرا . ولأول مرة لا يبالي الجمهور غضب السلطة فيخرج على إرادتها . وهكذا نجحت الحركة كل النجاح ، وانكسرت حدة بشكوف . على أن بشكوف لم يسكت فعول على الانتقام من القرى التي تحمست لعبد اللطيف ، فسلط عليها رجال الدرك ينكلون بأهلها ، وراحوا يتفننون بذلك فمن غرامات مالية تفرض على الناس ، ومن سجن واضطهاد وإذلال . ووصلتنا أخبار ذلك إلى بيروت ، فكتبت نص برقية وعرضتها على عبد اللطيف ليوقعها ، وكانت بهذا النص : فخامة المفوض السامي . لم يكف بشكوف أن زور الانتخابات لانجاح مرشحه حتى عمد اليوم إلى التنكيل بالناس وإرهاقهم وحجز حرياتهم والانتقام منهم سالكا في كل ذلك مسلك [ كاربييه ] كاربيه في جبل الدروز . فسألني عبد اللطيف من هو [ كاربييه ] كاربيه هذا ؟ فقلت : هو الضابط الفرنسي الذي كان حاكما لجبل الدروز فطغى فيه مما كان السبب في الثورة الدرزية الشهير على الفرنسيين سنة 1925 . فأعجبه ذلك ووقع البرقية في الحال . وعملت نسخا من البرقية تصل إلى الصحف البيروتية كلها لعل واحدة تجرؤ فتنشرها ، فلم تنشرها إلا جريدة واحدة ، وذلك أنها كانت قد عزمت على التوقف نهائيا بعد أيام . فأقدمت على نشر البرقية مما أمكن إيصالها إلى الناس في جبل عامل . وأذكر أننا زرنا في اليوم الثاني لارسال البرقية أحد الصحفيين في إدارة جريدته فقال : لما وصلتني البرقية كادت يدي ترتجف وأنا أمسك بها . إذ أن البرقية كانت تهديدا بالثورة المسلحة . ثم كنت مضطرا لترك بيروت والذهاب إلى دمشق لأني كنت أتابع التدرج في المحامات الذي لا بد منه بعد نيل إجازة الحقوق . وبعد شهر من وصولي إلى دمشق علمت أن الخانعين المتزلفين وفي طليعتهم أحمد