حسن الأمين

303

مستدركات أعيان الشيعة

الحقوق قدم الفرنسيون مرشحيهم لتلك الانتخابات ، وتقدم في كل المناطق مرشحون معارضون سقط أكثرهم وفاز بعضهم ، إلا في جبل عامل فإنه لم يترشح معارض واحد ، - وكان لجبل عامل نائبان فقط - ففاز مرشحا الفرنسيين بما يسمى ( بالتزكية ) . وكنا ونحن في دمشق نتحرق لأن منطقة جبل عامل هي وحدها التي لم تجر فيها معركة انتخابية ، ولم يجرؤ مرشح فيها على أن يتحدى الفرنسيين . ثم حدث في السنة التالية ( 1935 ) وكنت قد تخرجت من معهد الحقوق أن توفي واحد من نائبي جبل عامل ، فإذا بنا وجها لوجه أمام المعركة التي كنا بالأمس نتالم لعدم وقوعها ، فقبلنا التحدي وصممنا على إشعالها ، وكان لا بد لنا من أن نتذاكر في الأمر مع بعض العناصر الوطنية الفاعلة في بيروت ، أو بالأحرى مع رياض الصلح . وكان أهم الأمور هو إيجاد المرشح التقليدي الذي يقبل بترشيح نفسه معارضا لمرشح الفرنسيين ، وكان ذلك أمرا بالغ الصعوبة ، ولم يكن من المستحسن تجاوز المرشحين التقليديين إلى مرشح شاب يفاجا به الناس ، لذلك كان لا بد من المرشح التقليدي . وقد تداولنا أكثر من اسم فتبين أن من يمكن خوض المعركة به هو أحد اثنين : يوسف الزين أو عبد اللطيف الأسعد . وكانت هناك عوامل عديدة تحول دون ترشيح الأول ، فانحصر الأمر بالثاني . فتقرر في آخر لقاء لي مع رياض الصلح ( 1 ) أن أذهب لمقابلة عبد اللطيف الأسعد وأقنعه بالحضور إلى بيروت ، وعند حضوره يمكننا إقناعه مثيرين فيه رواسب فروسية يمكن أن تكون عالقة في نفسه من ماضي بعض رجال أسرته القدامى ، فذهبت أول الأمر إلى صيدا لأستفسر عن مكان وجوده ، فإذا بي أعلم أنه موجود في صيدا نفسها ، فأسرعت إليه في دكان حلاق في بوابة صيدا الفوقا فتلقاني بالترحاب وشكرني على أنني أشدت بجدة الأعلى ناصيف النصار في خطاب تابيني كنت قد ألقيته منذ شهر وكان قد حضره ولم يتسن له رؤيتي بعد الخطاب ليشكرني على ما قلت ، وها هو يغتنم فرصة هذا اللقاء ليؤدي هذا الشكر . وبعد تبادل المجاملات ، قلت له أراك في صيدا فما ذا تفعل ؟ أجاب : إني أريد أن أرشح نفسي للانتخابات وقد جئت استأذن المستشار الفرنسي ( بشكوف ) ( 2 ) في ذلك لعله يأذن لي ، وموعدي معه بعد ساعة . فقلت له فإن لم يأذن لك ؟ قال : أذهب وأقعد في بيتي . فقلت له : لقد سمعتني قبل شهر أشيد على المنبر بجدك الشهيد ناصيف النصار بعد موته بأكثر من مائتي سنة ، فهل تظن أن جدك هذا لو كانت سيرته أن يذهب فيستأذن طغاة الحكام في تصرفاته فان أذنوا له فعل ، وإن لم يأذنوا ذهب فقعد في بيته ، هل تظن أنه لو كانت سيرته هذه السيرة ، أكان يشاد بذكره على المنابر بعد مائتي سنة من موته ؟ . فصمت بعض الصمت ثم قال لي وما أستطيع أن أفعل إن لم أفعل ذلك ؟ . فقلت له : إنك سليل الأسرة التي كان لها أكبر الشأن في جبل عامل وأخرجت من أخرجت فيه من الرجال الذي سادوه عشرات السنين ، ويكفيك منهم ناصيف النصار وحمد المحمود ، وأنت اليوم حامل ميراث تلك الأسرة ، ومن هو بشكوف ؟ إنه دعي من أدعياء الفرنسيين سلطوه على البلاد ، أيليق بوريث ناصيف النصار أن يسمع له ويطيع ؟ ! . فشعرت أن هذا الكلام قد حرك كوامنه ، فقال لي : أشر علي . فقلت له أنك ذاهب بعد قليل لمقابلة بشكوف فلا تكلمه مستأذنا ، بل قل له : إني مصمم ترشيح نفسي للانتخابات ، وجئت من باب اللياقة أخبرك بذلك . وليكن كلامك له بنبرة عالية فيها العزة والشموخ ، وتمثل نفسك وأنت تكلمه بأنك خليفة ناصيف النصار . ثم قلت له : إذا أراد أن يناقشك فارفض مناقشته ، وقل له : لم أجئ لمناقشتك بل جئت لأخبرك بالأمر الواقع وها أنا منصرف لتنظيم معركتي الانتخابية . فتحمس عبد اللطيف وقال : سأفعل ذلك .

--> ( 1 ) كان شبان آل الصلح في ذلك الوقت الأشقاء عادل وكاظم وتقي الدين وعمادهم المتصدون لنضال الفرنسيين المعرضين أنفسهم لغضبهم وانتقامهم ، وقد ورثوا عن والدهم عقارات ومزارع كان يمكن أن تجعل منهم أثرى الأثرياء لو أنهم احتفظوا بها واستكانوا إلى الراحة والهدوء . ولكن وطنيتهم وإخلاصهم للقضية العربية كلها أبيا عليهم إلا التجرد للجهاد الوطني فحاربهم الفرنسيون في أرزاقهم ، فما زالوا يبيعون ما يملكون قطعة وراء قطعة حتى باعوا جميع ما يملكون وأنفقوا أثمانه في الكفاح الوطني الطويل ، وحسبك أنه كان من أملاكهم في بيروت منطقة ( الروشة ) فباعوها بأبخس الأثمان ، ثم أصبح ثمن الشبر من ترابها يعادل ثروة ، كما باعوا مزارعهم في جبل عامل ، وعاشوا عيش الكفاف . ولما تحقق الاستقلال الذي تفانوا في سبيل تحقيقه ، وافتقروا من أجل إنجازه كان جزاؤهم من أمتهم وممن وثبوا على مغانمها جزاء سنمار . فإذا ببشارة الخوري الذي قضى حياته كلها مطية للفرنسيين يحكم باسمهم وينفذ أوامرهم ، ثم أصبح هو وزمرة من عملاء الاستعمار أصبحوا في غفلة من الزمن وبدعم من الإنكليز يسمون أنفسهم أبطال الاستقلال ، إذا ببشارة الخوري هذا وهو رئيس لجمهورية الاستقلال ! ! يحول بسلطانه دون البطل الاستقلالي المناضل كاظم الصلح وبين الوصول إلى النيابة فينجح صلاح البزري . ويفشل كاظم الصلح ، وينجح بعد ذلك في بيروت أحد النكرات ويفشل تقي الدين الصلح . ولما اجتمعت بعد زمن عدة عوامل ضاغطة كان لا بد معها من تكليف تقي الدين بتولي رئاسة الوزراء كان المسؤولون يبدون وكأنهم يمنون عليه بذلك . وقد عمل تقي الدين في رئاسة الوزارة بذهنية رجل الدولة لا بذهنية المتسلط ، فكان من أول ما فكر فيه إنشاء مجلس أعلى للثقافة ، وقد نفذ فكرته فألف المجلس من نخبة من رجال الفكر ، وإبعادا للفكرة عن كل الاستغلال ، فقد جعل أعضاء المجلس متطوعين في عملهم لا يتناولون أي راتب أو تعويض مما لم يعهد له مثيل فيما سمي بالجمهورية اللبنانية ، إذ كانت تتخذ مثل هذه الأمور وسيلة لاثراء الأتباع والأنصار كما جرى من قبل فيما سمي بالمجلس الأعلى للسياحة . ولكن الأمر لم يطل فوضعت العراقيل في وجه تقي الدين فأثر الاستقالة ، وانتهى باستقالته أمر مجلس الثقافة . ( 2 ) هو الطاغية الفرنسي الذي كان أول أمره مستشارا في صور ، ترقى فصار مستشارا في صيدا فطغى وبغى وفيه أقول : وا لهفتاه لأوطان ممزقة ينهى ويأمر فيها العلج بشكوف انظر إليه تراه بينهم ضبعا فظا وهم بين أيديه خواريف يا للرجال أما في القوم ذو وشم يأبى الهوان أما في القوم غطريف .