حسن الأمين

300

مستدركات أعيان الشيعة

وهكذا هزلت الحركة الوطنية حتى أصبحت مساهمة في ترجيح فوز مرشح للسلطة الفرنسية على مرشح آخر لها . وبدا للفرنسيين واضحا أن صبحي بركات سيفوز برئاسة الجمهورية بتأييد النواب الوطنيين له ، وكان الشرخ قد وقع بينه وبين الفرنسيين بترجيحهم حقي العظم عليه ، وإن لم ينقطع الأمر بينه وبينهم . وهنا بدأت المناورات والمداورات فاسفر الحال عن الاتفاق على حل وسط يضمن للفرنسيين رئيسا لهم ويبعد المتنافسين المحسوبين عليهم عن التخاصم والتزاحم ، على أن توفر رئاسة الوزراء لحقي العظم ، بعد أن توفرت رئاسة المجلس لصبحي بركات . وهكذا قسموا الرئاسات الثلاث بين رجالهم بمعاونة النواب الوطنيين الذين أوصلهم جميل مردم إلى هذه المواقف ، وكان ذلك من حظ محمد علي العابد الذي جاءته رئاسة الجمهورية في 11 حزيران 1932 من حيث لا يحتسب . وتحققت أمنية جميل مردم فأصبح وزيرا للمالية في وزارة حقي العظم . وفي ذلك يقول الشاعر السوري المبعد عن سوريا خير الدين الزركلي مخاطبا النواب الوطنيين الذين كانوا يقولون أن من أهدافهم من المشاركة في هذه الأمور الحصول على العفو عن المبعدين السوريين ، من قصيدة لا أزال أستظهر منها : ( 1 ) تبارك الله أحسنتم بفعلتكم كل الرئاسات في أيدي المرائيس ما كان أغناكم عن خوض معترك ترأست فيه أذناب الفرنسيس تالله لا خير يرجى من نيابتكم وإنما هي رزق للمفاليس ولا رئاسة في أيدي ثلاثتكم وإنما هي نقش في القراطيس أبات ( مردم ) من أوزار أمته يسعى إلى الغنم سعيا غير معكوس يرضى بما لاح من صيد ومن قنص والكيس في الكف غير الكف في [ الكيسر ] الكيس يا طالبي العفو عنا هونوا وقفوا وجنبوا أمرنا من كل تلبيس إنا لنصبر ما عاش الزمان على غير الهوان فعيشوا في الفراديس ثم اضطر جميل مردم بضغط هاشم الأتاسي وإبراهيم هنانو مجتمعين على الاستقالة من وزارة حقي العظم في 6 نيسان 1933 . يوم المعاهدة وبعد الانتهاء من أمر الرئاسات وأصل المجلس اجتماعاته ليحقق الغاية التي انتخب من أجلها وهي إقرار المعاهدة التي أعدها الفرنسيون ، وعين يوم عرض المعاهدة على المجلس ، وكان الفرنسيون واثقين من النتيجة فأكثرية نواب المجلس مؤلفة من الأشخاص الذين جاؤوا بهم إلى النيابة . وقرر الطلاب إفساد أمر المعاهدة ، واستطاعوا في اليوم السابق ليوم عرض المعاهدة على المجلس أن يجمعوا معظم طلاب معهد الحقوق وطلاب معهد الطب في مسيرة يمرون بها على النواب فردا فردا للضغط عليهم ضغطا معنويا باستثارة كوامنهم الراكدة من بقايا شهامة ووطنية ، وكان النواب موزعين على فنادق المدينة ، فمشينا بجمعنا إلى حيث ينزل كل واحد منهم ، وكان بعض الفنادق يضم اثنين أو ثلاثة أو أربعة ، فنطلب لقاء من نعرف أنه في الفندق فلا يسعه إلا الاستجابة لطلبنا ، فينبري الخطباء منا إلى تبيان شرور المعاهد ، ثم يناشدون النائب بان لا يلقى الوطن المصير السييء على يديه ، ويذكرونه بلعنة التاريخ التي ستلحقه وبالعار الذي سيصيب أبناءه وأحفاده ، فلا ينتهي الخطيب من كلامه حتى تكون كل كوامن الخير قد انطلقت في نفس النائب ، وحتى يكون قد نسي أن الفرنسيين هم الذين جاؤوا به إلى النيابة ، فيعاهدنا بصوت متهدج بأنه لن يوافق على المعاهدة ، وكان بعضهم لا يستطيع حبس دموعه . وأذكر اننا التقينا بمجموعة من نواب العشائر في فندق واحد ، وكان هؤلاء النواب من أهم الركائز الذي يستند إليها الفرنسيون ، فقابلوا مجيئنا أول الأمر بشيء من الاستنكار ، والاستهانة بهؤلاء الأولاد الذين يتطاولون إلى ما لا يعنيهم ، فحاولوا عدم الإصغاء إلينا والترفع عن الدخول في مناقشات معنا ، فلم نزل بهم حتى سمعوا ما نريد أن نقوله ، وانتهى الأمر بان وقف أبرز واحد فيهم ( مجحم بن مهيد ) وسل سيفه من غمده وقال بلهجته البدوية ما معناه : والله يا أولادي أنني لا أستطيع مخاطبتكم بمثل هذه الألفاظ التي تتكلمون بها ، ولكني أقول لكم أن من يجرؤ على الموافقة على المعاهدة لن يكون له إلا هذا السيف . فكان بهذا القول أبلغ خطيب . . . وقصدنا إلى الفندق الذي ينزل به أحد نواب حلب ( هنري هندية ) ، فرفض أول الأمر الخروج من غرفته لمقابلتنا ، وأمام إصرارنا وتلويحنا بالتهديد والوعيد ، خرج ( ببيجامته وروبه ) ووقف في أعلى الدرج ونحن في البهو الذي في أول الدرج فقال بلغته العامية ما معناه : ما أنتم وهذه الشؤون . فلم ندعه يتم كلامه بل صعدنا الدرجات راكضين اليه فولى هاربا يتملكه الذعر ، واقتحمنا غرفته فلم نجده بها ، ولم نعلم أين اختبأ ، فاكتفينا بذلك . وعدا هذا النائب فقد تمرد على طلبنا أربعة نواب آخرين من مجموع النواب ، وكان تمرد ثلاثة منهم ممزوجا باللين والملاطفة والتظاهر بالاحترام ، فأخذنا نجادلهم فأبوا أن يعدوا برفض المعاهدة . فعند ذلك لوحنا لهم بالانتقام من كل من يوافق على المعاهدة وتركناهم . أما الرابع فقد حاول أن يقف موقف هنري هندية فانتهى به الأمر إلى الفرار والتواري . ويؤسفني أنني لا أتذكر أسماء هؤلاء الأربعة لأسجل عليهم هذا الموقف . وانتهت جولتنا وفي يقيننا أننا قد حققنا ما نبغيه ، وقد كان كذلك ، فلما عقدت الجلسة في اليوم الثاني أدرك الفرنسيون بان المجلس سيرفض المعاهدة فاصدروا قرارا بفض المجلس وإيقاف جلساته قبل أن تبدأ المناقشة .

--> ( 1 ) تحدث فارس الخوري عن جميل مردم فقال : « كان جميل مردم يتصرف بالمصاريف المستورة على هواه وربما يخص نفسه بمعظمها إن لم يكن كلها فقد كان يحب المال حبا جما ، ويمد يده إليه عن أي طريق . دخل الحكم سنة 1936 يلاحقه الدائنون في كل مكان باشعارات الحجز على أمواله وخرج مليونيرا ( الصفحة 401 من كتاب : فارس الخوري وأيام لا تنسى ) .