حسن الأمين
301
مستدركات أعيان الشيعة
ثورة حمرا ومن الذكريات الشعرية في تلك العهود التي تعبر عما كانت تعتمل به نفوسنا من حماسة وأمل وتطلع أذكر هذه الأبيات التي نظمتها في ساعة من تلك الساعة المفعمة بالشعور الثوري الوطني : سنقلب هذه الدنيا فنجعل بطنها ظهرا سنملأ من جنود العرب منها السهل والوعرا سنملك بعد تشريد وترويع بها الأمرا سنخضب من دم الإفرنج منها البر والبحرا سنملأها بنا عدلا كما ملئت بهم جورا سنطلع من بريق البيض في ليل الدجى فجرا سنشعلها على ظلم الفرنجة ثورة حمرا مع دي مارتيل على أثر المظاهرات الدامية التي قام بها العرب في فلسطين والتي مشى على رأسها زعيم فلسطين موسى كاظم الحسيني احتجاجا على السياسة الصهيونية . وعلى أثر مجزرة يافا التي سقط فيها نفر من رجال العرب المتظاهرين صرعى برصاص الإنكليز ، قامت في دمشق المظاهرات الاحتجاجية الصاخبة ، فاصطدم المتظاهرون بالشرطة فوقع القتلى والجرحى . وكان قد خطب بالمتظاهرين زكي الخطيب وأحمد الشهابي وغيرهما . فاصدر المفوض السامي الفرنسي الكونت دي مارتيل وكان حديث عهد بالبلاد ، بلاغا كله تهديد ووعيد ، واعتقل زكي الخطيب ورفقاه في سجن القلعة ، فاضربت دمشق أياما ، وصدرت البيانات الاحتجاجية ، فاجتمع طلاب الحقوق في منزل أحدهم وكلفوني بان أرد باسمهم ، فوضعت هذا البيان ووزع على الصحف فحذفت بعض مقاطعه عند نشره . وذلك في خريف سنة 1933 : تابع طلاب الحقوق في دمشق بدهشة بلاغ فخامتكم المنشور في الصحف المحلية ، وقد استغربوا كل الاستغراب هذه اللهجة الشديدة تواجه بها البلاد في مفتتح عهد يقال أنه عهد جديد يختلف عن العهود السابقة ، فإذا كانت فخامتكم تعتقد أن مثل هذه اللهجة يمكن أن توهن عزائم السوريين فتصرفهم عن تطلاب حقهم المنشود فقد ضللتم في ذلك السبيل . فالسوريون الذين درسوا وقائع الثورة الفرنسية دراسة وافية وتلقنوا تعاليم رجالها بما فيها من صبر وثبات لن تضعفهم لهجات الوعيد وعبارات التهديد . والطلاب السوريون وطلاب الحقوق منهم بخاصة ، وهم الذين تلقوا على مقاعد الدرس آراء علماء فرنسا في دحض نظريات ( نيتشه ) التي لا ترى الحق إلا في أفواه المدافع وعلى رؤوس الحراب وفوق أشلاء الضعفاء - لا يسعهم إلا أن يعجبوا كل العجب من هذا التناقض بين آراء علماء فرنسا وبين أعمال سياسييها الذين يزعمون أنهم إنما هبطوا سوريا لارشادها وتدريبها على الحرية والاستقلال ! ! . . يا فخامة المفوض ، إن سوريا العربية التي قطعت شوطا بعيدا في الثقافة والتي قدمت على مذابح الاستقلال زهرات شبابها والتي يلوح لها من خلال الأجيال ماضيها اللامع بكل ما فيه من قوة وجلال لن يثني من أعنتها بيان تهديدي وبلاغ إرهابي ، بل أن ذلك لينفخ فيها روح الحماسة والكرامة ويدفعها للعمل الاستقلالي المستمر . لقد كنا نترقب أن لا تستند بلاغاتكم إلى أشخاص تدفعهم وظائفهم لاتهام الناس وتشويه الحقائق تبريرا لأعمالهم وزلفى لأسيادهم . فقد جاء في البلاغ ( أن المتظاهرين هاجموا مخفر باب توما بتأثير الخطب التي ألقيت في المسجد ) ، في حين أن المتظاهرين كانوا مسالمين لم يهاجموا أحدا ولم يطلقوا نارا ، وفي حين أن الخطب دعت الناس إلى عدم العنف . وقد أثبتت المشاهدة والتقارير الطبية أن الشهداء أصيبوا في ظهورهم مما يدل على أن رجال الشرطة هم المعتدون . أما قولكم : « أن اعتداءات كهذه لا يمكن أن تغطي تحت ستار مظاهرة تضامن وتأييد بمناسبة حوادث تقع خارج البلاد ، بل هو تحد للسلطة ليس في الوسع احتماله » ، فقد عرف أن ليس هناك اعتداءات ، ولم تكن غاية المتظاهرين مهاجمة المخافر والاستيلاء على الذخائر - كما زعم البلاغ - بل أرادوا الاعراب عن شعورهم بمظاهرة سلمية فقوبلوا بالنار والرصاص . والحوادث التي تظاهروا لأجلها ليست خارج بلادهم ، بل هي في قلب بلادهم فان فلسطين جزء الشام الذي لا يتجزأ . وقد ألقيتم في بلاغكم المسؤولية على أشخاص معينين أمرتم بتعقبهم في كل حالة . ومعنى ذلك أنكم لم تتركوا المجال فسيحا للقضاء ليستلهم من حقيقة الواقع لا من الأوامر الصادرة إليه . وقد كان اعتقال الأستاذ زكي الخطيب وإخوانه نتيجة فعلية لهذا الأمر .