حسن الأمين

293

مستدركات أعيان الشيعة

صف القسم الثاني من البكالوريا . وبذلك حرمنا من متابعة دروس خليل مردم فحرمنا من فوائد كثيرة . ولقد نلت من تشجيعه في تلك الفترة القليلة ما أذكره دائما ، ذلك أنه في أول درس ( إنشاء ) طلب إلينا أن نكتب عن حياتنا الأدبية وتفكيرنا فيها وميولنا ، فكتبت فيمن كتب ، فجاء في الدرس الثاني وسال من منكم حسن الأمين ؟ . فوقفت وإذا ما كتبته في يده ، فقال : إن هذا أحسن ما كتب في هذا الموضوع وإني أهنئك عليه . . . والواقع أنني لم أغترر بهذا الكلام ولم أزه به ، فليس معنى أن ما كتبت كان أحسن ما كتب التلاميذ ، أنه شيء جيد ، بل ربما كان أقل رداءة مما كتبه الآخرون . . . وأذكر أن ما كتبته كان مطولا بلغ عدة صفحات ، وإني ختمته بالاعراب عن سروري بان يكون أستاذ الأدب العربي عندنا هو شاعر الشام وأديب الفيحاء « الخليل » ثم تمثلت بقول الشاعر : كانت مسامرة الركبان تخبرنا عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر حتى التقينا فلا والله ما سمعت أذني بأحسن مما قد رأى بصري وفي الحقيقة ليس هذا الثناء عليه هو الذي حمله على مقابلة الثناء بالثناء ، ولا أنا كنت متملقا له فيما كتبت ، فقد كان ما كتبته معبرا عن حقيقة شعوري تجاهه . ولقد جاءنا بعد خليل مردم من لم نحمده ولا استفدنا منه ، وكنت أنا معتمدا على نفسي في دراسة الأدب العربي . دروس الجبر وجاء أول درس في الجبر ، وكان أستاذ الدرس معتادا على وجود الجهلاء في الصف ، فأول شيء قاله أن سال عما إذا كان فينا من لم يدرس الجبر قبل الآن ، فخجلت من الاعتراف بذلك وظللت صامتا ، ولا شك أنه كان هناك غيري ممن خجلوا فصمتوا ، ولكنه كان هناك واحد لم يجبن عن الاعتراف بالحقيقة ، فرفع يده مقرا بجهله ، فكان بذلك على الأستاذ أن يبدأ بتدريس الجبر من أوله . ولكن سواء أبدأه من أوله أم آخره ، فلم يكن ذلك شيئا مفهوما لدي وكان علي البحث عن حل ، فوجدته بتناول درس خصوصي خارج المدرسة ، وكنت لا أستطيع احتمال مصاريف جديدة تقتضيها أجرة المدرس ، ولكن كان لي صديق حميم هو من أهل هذا الفن وكان يسره أداء أي شيء يعينني على النجاح في مهمتي فتطوع باعطائي دروس الجبر بلا أجر ، فعكفت عليها عكوف النهم إليها وتابعتها متابعة الظمآن الراكض وراء الماء فإذا بي بعد حين أحل كل معادلاتها ، مكتفيا من ذلك بوضع الحل دون الدخول في التفاصيل من ضرب وطرح وقسمة ، ان ذلك مما لا أقوى عليه . وهكذا اطمأننت إلى ( الجبر ) . ولكن لم تحل ساعة الامتحان بعد ذلك ودخلنا القاعة المعدة له في الجامعة ، حتى تملكتني الرهبة المطبقة ، فلم أستطع إقناع نفسي باني يمكن أن أحل معادلات الجبر ، وضاعت مني كل ثقة بالنفس في هذا الأمر ، وعدت إلى حقيقتي التي تعجز عن أي عمل حسابي مهما خف أمره . في هذه الزعزعة النفسية والتضعضع الفكري جلست على المقعد أنتظر السؤال المطروح ، وقد كان في الحقيقة من أهون ما كنت قد حللته أيام الدراسة الخاصة ، ولكن شتان بين تلك الأيام المفعمة بروح الصمود والأمل ، وبين هذا اليوم الذي واجهت فيه الحقيقة الماثلة : حقيقة حل المسألة الجبرية ، والتعامل مع الأرقام في امتحان حكومي يهيئ صاحبه لدخول الجامعة ! . . لقد انهار كل شيء ولم يبق إلا ذلك الفتى المشلول الفكر أمام الأعداد الحسابية ! . ولم يكن في مقدوري أن أخط كلمة أو أن أدون رقما وبقيت هامدا يتمثل لي ( الصفر ) الذي سيوشح ورقتي الامتحانية البيضاء التي لن يمسسها اسوداد منقذ . . . وفجاة امتدت يد حانية ، كانت تعلم مشاكلي مع الأرقام ، وعجزي عن استيعاب أي شان من شؤونها ، وتعرف أني لا أتاخر في هذا المضمار كسلا وقلة درس ، بل فقدانا للموهبة ليس إلا ، وكان يعز عليها أن أضيع بسبب علة لا يد لي في تجنبها ، وكانت تحسن الظن فيما يمكن أن يكون مني في يوم من الأيام . كانت هذه اليد الحانية قد أعدت نفسها لمثل هذه الساعة الرهيبة التي أعيشها وحسبت حسابها ، فكانت متهيئة للطارئ الصاعق الذي يوشك أن ينقض علي ، فلم تلبث أن تدخلت في اللحظة المناسبة ، تدخلا إذا كان معدودا في النظام غير مشروع ، فهو في المدى الإنساني الرائع مشروع أي مشروع . . . وهكذا انطوى شبح ( الجبر ) ، وخرجت من قاعة الامتحان وأنا لا أكاد أصدق أني قد نجوت من الهول . اللغة الفرنسية قلت أنني لجات في أمر ( الجبر ) إلى مدرس خاص ، وكان قد بقي أمر اللغة الفرنسية ، وإذا كان من المعقول أن يدرس الجبر في فترة شهور ، فهل من المعقول أن تتقن هذه اللغة ، ثم تتقن آدابها وتاريخ شعرائها ومفكريها في مثل تلك الشهور ؟ لم يكن ذلك معقولا أبدا ، وحرت في الوصول إلى المخرج ، ولكن تبين أني لست وحدي الذي أعاني من هذا الهم المقيم المقعد ، وأنه قد سبقني إلى معاناته سابقون ويزاملني في معاناته الآن آخرون . . . واهتدينا إلى الطريق الذي سلكه من تقدمنا ، وهو أن هناك أستاذا قديرا متخصصا في هذا الأمر ، فهو بعد ملخصات للشعراء الفرنسيين المطلوب أداء الامتحان في حياتهم وأدبهم ، ويتولى تدريس التلاميذ هذه الملخصات على أن يفهموا معانيها المترجمة إلى العربية ، ثم يفرض عليهم