حسن الأمين

294

مستدركات أعيان الشيعة

استظهارها وإتقان إملائها ، بعد أن يكون قد قسمها أقساما كل قسم لدرس واحد يتلو فيه التلميذ عليه ما استظهره فيقوم له ما يحتاج إلى التقويم ، ويصحح ما يحتاج إلى التصحيح ، فلا يأتي وقت دخول امتحان الجامعة حتى يكون التلميذ قد استظهر ذلك كله استظهارا متقنا ، فإذا طرح السؤال وهو دائما عن شاعر من الشعراء صب التلميذ على ورقة الامتحان ما كان قد استظهره صبا متلاحقا دون توقف ، فيوصله ذلك لا إلى التخلص من ( الصفر ) فقط ، بل إلى نيل قليل من الدرجات تكون كافية بضمها إلى درجات ما يتقنه من الموضوعات الأخرى لانجاحه ، وقد كنت أنا لا أطلب إلا التخلص من الصفر ، لأني كنت واثقا بان ما سأناله من موضوع الأدب العربي ومن موضوع التاريخ وحده كاف لضمان نجاحي ، بشرط أن لا أنال ( صفرا ) في موضوع من الموضوعات الأخرى ، ولم يكن ( الصفر ) متوقعا لي إلا في الجبر والأدب الفرنسي ، وبهذه الطريقة أنجو على الأقل من الصفر في الأدب الفرنسي . وتابعنا الدرس على هذا النسق ، وكنا أربعة ، اثنان سوريان من مدينة حماه ، واثنان لبنانيان أحدهما أنا . ولما جاء وقت الامتحان الجامعي لم يكن له في نفسي شيء من الرهبة ، ولا كنت مباليا أية مبالاة ، لأن الأمر هنا أمر جد واجتهاد ، لا أمر موهبة لا ينفع في فقدانها أي جد وأي اجتهاد . ولم يكن قد نقصني شيء من الجد والاجتهاد طوال العام . ودخلت القاعة وجلست على المقعد لا أنتظر أية مفاجأة ، ولا أتوقع أية نازلة ! . ولم يخطر لي أن الشاعر العربي كان قد قال : ( وتقدرون فتضحك الأقدار ) ، وهب أن هذا القول قد خطر في بالي فاية أقدار يمكن أن تضحك الآن من تقديري ؟ . ليس هنا تقدير ، بل هنا واقع راهن : لقد استظهرت كل ما يفيدني في الجواب على أي سؤال يمكن أن يطرح علينا الآن : سيطرح علينا سؤالان ، علينا أن نختار الجواب على واحد منهما ، ولن يعدو كل من السؤالين الطلب عن كتابة سيرة واحد من الشعراء ، والتعريف بشعره وأدبه وفكره ، وهذا ما أتقنته كل الإتقان حافظا له عن ظهر قلب ، وما علي عند طرح السؤال سوى أن أنطلق انطلاقا لا توقف فيه ولا تأمل يعيقه ، ولا تفكر يبطئه . صحيح أن ما أستظهره ليس مطولا ، ولكنه ليس موجزا إيجازا مخلا ، فقد كثف لنا الأستاذ المادة تكثيفا يجعلنا على تخوم الإجادة . . . أتضحك الأقدار الآن وفي هذه الساعة ؟ ولما ذا تضحك الأقدار ؟ . إنه الجد كل الجد ، الجد الذي لا مجال معه للضحك ، بل لا مجال معه حتى للبسمة الخفيفة ! ! . بل أنا الآن الذي أضحك من الأقدار التي حالت بيني وبين إتقان اللغة الفرنسية فتغلبت عليها بهذا الأسلوب اللطيف : أسلوب استظهار خلاصة للمادة المطلوبة ! . كنت أجلس على المقعد غير مشغول الذهن بشيء يكدره ، وإذا بالصاعقة تنقض علي انقضاضها المروع المدمر . وإذا بي أسمع لاضحك الأقدار ، بل قهقهتها الصاخة ! . أتضحك من الأقدار ؟ ! . ها هي الأقدار تواجهك الآن فاجرؤ على الضحك منها ! . لقد كان المتعارف في امتحانات الجامعة في الأدب الفرنسي أن يطرح اسم الشاعر المختار ويطلب إلى التلاميذ الكتابة عنه ، ودرسنا طوال العام على هذا الأساس واستظهرنا ما استظهرناه معتمدين على هذا العرف . ولكن الأقدار كانت لنا بالمرصاد ، فقد شاء المستشار الفرنسي لوزارة المعارف أن يطور امتحانات الجامعة في الأدب الفرنسي ابتداء من هذا العام ، وذلك بان يجعلها تدور لا على الادلاء بما يعرفه التلميذ عن الشاعر وشعره ، بل على استنتاجات تحليلية فكرية ، لا يقدر عليها إلا المتضلعون بالأدب الفرنسي ، وأين أنا من ذلك ؟ ! لقد ألقي السؤال الأول فلم أفهم منه شيئا حتى ولا كلمة واحدة ، ثم ألقي السؤال الثاني ففهمت منه ثلاث كلمات يفهمها حتى أشباه الأميين : لقد فهمت منه كلمة : ( روسو ) وكلمة ( قولتير ) وكلمة ( فلسفة ) ! . . لقد كنت قبل اليوم لا أستوعب المدلول الحقيقي لكلمة : ( أسقط في يده ) ، ولا أتفهم وضع من تطلق عليه . أما في هذه الساعة فانا الصورة الواضحة لمن أسقط في يده ! . . . وضعت كل الضياع وشلت الصدمة كل تفكيري وبقيت لفترة هامدا فوق المقعد همود القانطين ، ولم ألبث أن توكلت على الله ، وقلت في نفسي ما دام قد ورد في السؤال اسم ( روسو ) واسم ( قولتير ) فلا شك أنه يتعلق بشيء منهما ، فلأفرغ هنا كل ما اختزنته في صدري عنهما ، فلا بد أن تجيء جملة لها علاقة بالسؤال تنجيني من نيل الصفر ، وهكذا كان فانطلق قلمي دون توقف يملأ الصفحات التي في يدي كلاما فرنسيا ، الله وحده يعلم ما ذا سيقول عنه مصحح هذه الأوراق ، أظنه سينسبني إلى الغباء حين يقارن بين السؤال وبين هذا الكلام الذي يشبه في نظره الهذيان ! . ولكن أظن في الوقت نفسه أنه ستاخذه الشفقة على هذا الغبي الذي يهذي ويهذي فلا يجعل نصيبه منه ( الصفر ) . على أنه من يدري فربما كان قاسي القلب فيغيظه هذا الغباء وهذا الهذيان الذين شغلا وقته دون طائل فينتقم ممن أغاظه فيجعل جزاءه : ( الصفر ) ! . . وإذا كنا قد سلمنا للأقدار واعترفنا بأنها تضحك منا حين نحسب أنها في صميم الجد ، ثم يعن لها فتجد حين نحسب أنها في صميم الضحك ! . . فلنسلم الأمر لها تلعب بنا كيف تشاء . وبدا أن الأقدار قد اكتفت بما ضحكت ، فألانت قلب المصحح فلم يوش صفحاتنا السوداء بصفرة الوضاء ! . . . ومن طريف ما حدث أنه كان يجلس في المقعد الذي وراء مقعدي أحد خريجي معهد ( الفرير ) في بيروت وهم من هم في اللغة الفرنسية وآدابها فرآني أعكف على الورق كتابة متصلة دون توقف ، في حين أنه يقتضي للإجابة شيء من التبصر والتركيز والأناة ، فحسب أني نابغة من النوابغ في الأدب الفرنسي لا أحتاج إلى ما يحتاج إليه أمثاله من الروية ، بل أن كفاءتي العظيمة تجعلني أنطلق هذا الانطلاق المتتابع ، ثم زاده في هذا الاعتقاد أنه رآني أملأ ست صفحات كاملة ، في حين أن الجواب لا يمكن أن يعدو