حسن الأمين
289
مستدركات أعيان الشيعة
السيد طعان خليل لم تكن النباطية وحدها هي المكان البعيد الوحيد الذي نقصده على ظهور الخيل في أسفارنا ، فعدا عما يجاورنا من قرى كان أبعد ما نقصده هو صور وجديدة مرجعيون . وتكلمت فيما تقدم عن سفرنا بين صور وشقرا . أما جديدة مرجعيون فقد كنا نقصدها في حالتين : إحداهما أنه بعد ما تم شق الطرق الموصلة بين الجديدة فبانياس فالقنيطرة التي كانت الطريق تصلها بدمشق ، فإننا صرنا أحيانا نختار في الذهاب إلى دمشق والمجيء منها طريق الجديدة فالقنيطرة آخذين السيارات من الجديدة حتى القنيطر ثم منتقلين إلى سيارات أخرى تنقلنا من القنيطرة إلى دمشق . ومر فيما تقدم أننا كنا من قبل نركب الدواب حتى القنيطرة ، ومنها نأخذ العربات المجرورة بالخيل أولا ، ثم السيارات بعد ذلك . وفي غير أسفارنا إلى دمشق كنا نقصد الجديدة لأن شقرا كانت في فترة طويلة تتبعها إداريا ، فكان لا بد لنا من الذهاب إليها أحيانا لمتابعة بعض المهام فتمضي بنا الخيل منحدرة في عقبة السكيكة ، فوادي السلوقي ، ثم منحرفة إلى اليمين في الطريق المؤدي إلى ( مركبا ) مارين بما يسمى ( قدام مشعرون ) ، ماضين صعدا حتى نصل إلى ( مركبا ) فنمر في طرف البلدة دون أن نعرج عليها . ثم نوغل في السير مضيا إلى بلدة ( عديسة ) . وهنا يختلف الأمر . فاما أن يكون خروجنا من شقرا مبكرين في الصباح ، ومعنى ذلك أننا سنصل الجديدة في مرحلة واحدة دون التعريج على ( عديسة ) ، وإما أن نكون قد تعمدنا الخروج من شقرا عصرا أو أصيلا ، ومعنى ذلك أننا مصممون على أن نقسم الطريق إلى مرحلتين ، تكون إحداهما عديسة ، وفي هذه الحال فان المنزل الكريم الذي سنحل به هو منزل السيد طعان خليل . ومنزل السيد طعان خليل يقوم على الجادة وكان الشاعر إنما عناه بقوله : نصبوا بمدرجة الطريق قبابهم يتسابقون على قرى الضيفان فما هو أن نقبل على المنزل حتى يتلقانا السيد طعان بقامته المديدة ووجهه المشرق وترحيبه الصميمي . كان السيد طعان يمثل في ( عديسة ) الصورة التي رسمها العرب في شعرهم ونثرهم للعربي الجواد المضياف الذي يرى إكرام الضيف أجل المزايا . وما قرأت بيتا من الشعر العربي في الضيافة وأربابها إلا وتمثل أمامي السيد طعان وبيته وأخلاقه . إنني أحسه مثلا وأنا أقرأ : بشاشة وجه المرء خير من القرى فكيف بمن يأتي بها وهو ضاحك فالبشاشة أول ما كان يطالعك به السيد طعان ، البشاشة التي تشعرك بمقدار السرور الذي أدخلته عليه وأنت تنزل ضيفا عليه ، البشاشة المنبعثة من القلب صورا على الوجه . ثم بعد ذلك : الذكاء الفطري والحديث العذب والخلق الرضي والود الصافي . كان بيت السيد طعان في ( عديسة ) ملتقى لضروب شتى من الناس ، قد لا يربط بينهم إلا لقاؤهم على قصد ذاك البيت في غدوهم ورواحهم ، ولطالما التقى فيه على غير موعد الخصوم المتنافرون ، والأضداد المتنافسون ، والأعداء المتزاحمون . والذين لا يجمعهم مكان ، ولا يظلهم سقف واحد ، كان المكان الذي يجمعهم ، والسقف الواحد الذي يظلهم هو مكان السيد طعان ، وسقف غرف بيت السيد طعان . . . فلطالما تشاكس نافذان في قرية ، أو غير نافذين ، ثم مضيا إلى ( الجديدة ) يشكو أحدهما الآخر ، أو ليستعدي كل منهما السلطة على مشاكسه ، ثم إذا بهما يلتقيان مساء ذاهبين أو آئبين على مائدة السيد طعان وعلى ما هيا لهما من أرائك ، وبسط لهما من حشايا ووسائد . كل هذا والسيد طعان رقيق الحال قليل المال . . . لقد مضى السيد طعان وخلت منه ( عديسة ) ، وقبل أن يمضي السيد طعان وقبل أن تخلو منه عديسة خلا الطريق من الخيل ، وانقضى عهد التنقل على ظهورها ، فصرنا نمر بعديسة في السيارة ، ولم يعد من حاجة للضيافة ، ولا من ضرورة للمبيت عند السيد طعان ، ولكنني ظللت طول حياة السيد طعان ومروري بعديسة ألزم سائق السيارة بالوقوف على باب المنزل الذي طالما وقفنا عليه مجهدين وحللناه متعبين ، فكان لنا ملاذا من الجهد ، ومراحا من التعب . كنت ألزم سائق السيارة بالوقوف على بابه ثم ألج المنزل الكريم محييا صاحبه العزيز جالسا إليه بعض الوقت ، فلا يفوتني أن أحس ملامح المرارة على قسمات وجهه ، لأن الضيوف اليوم غيرهم بالأمس ، لأن كوبا من الشاي أو رشفة من القهوة تكفي لقراهم . . . البقاء في شقرا كان استمرار الثورة السورية سنتين واستمرار وقوع المعارك في قلب دمشق سببا لاستمرار والدي والعائلة في الإقامة في شقرا ، وبعد أن مضى ما يقرب من سنة على قيام الثورة ، وبدا أنها ستطول إلى مدى لا يعلمه إلا الله ، لم يصبر والدي على البعد عن مكتبته ، وهو الذي اعتاد الجلوس إليها ليلا نهارا ، لا سيما وقد كانت لديه مخططات لتدوين بعض مؤلفاته ، وأهمها في ذلك الحين كتابه ( كشف الارتياب ) ، لذلك أرسل إلى دمشق يطلب أن يرسلوا إليه إلى شقرا مكتبته كلها ، فشحنت المكتبة من دمشق إلى بيروت بالقطار ، ومن بيروت إلى صور بالسيارة ، ومن صور إلى شقرا على ظهور الجمال . وكان وصول المكتبة إلى شقرا باعثا على استقرار الوالد فيها ، فانتهت الثورة خلال سنتين ، فلم يفكر بالعودة إلى دمشق ، فما دامت كتبه عنده ، وما دام مطمئنا إلى سير مشاريعه في دمشق سيرا مطردا بما كان قد أعد لها من جمعيات تشرف عليها ، فلم يكن له باعث قوي على ترك شقرا . وهكذا توالت علينا الأيام في شقرا ، واستفادتي الثقافية الوحيدة فيها هي ما كنت أتلقاه على والدي من دروس اللغة العربية ، ودروس الفقه الإسلامي ، وكان المستقبل أمامي مجهولا ، بل قاتما ، إذ لم يكن لدي ما أتجهز به لهذا المستقبل ، وكنت أتوق لترك شقرا باي وسيلة ، ولم تكن لي أية وسيلة .