حسن الأمين

290

مستدركات أعيان الشيعة

وإذا بي أتلقى دون سابق طلب أو رغبة قرارا بتعييني مساعدا قضائيا لمحكمة النباطية الشرعية ، وذلك أن أحد النافذين كان قد زارنا في شقرا وعرف تضجري من الإقامة فيها على ذلك الشكل ، فاستصدر مرسوما بتعييني في تلك الوظيفة ، ففوجئت بذلك ، ولم تكن هذه الوظيفة لتحقق شيئا مما أبتغيه في الحياة ، بل كانت تبدو وكأنها قد حددت مصيري بما لا يمكن أن أرتضيه لقابل أيامي . وقد كانت لي مطامح ثقافية بعيدة فان طول جلوسي إلى جانب والدي سواء في مكتبته ، ورؤيته عاكفا ليلا نهارا على القلم والورق والكتاب ، وانتشار كتبه في أنحاء العالم الإسلامي ، كل ذلك ركز في نفسي الطموح الثقافي وحده ، وكان أكثر ما يستهويني [ الاطالاع ] الاطلاع على التاريخ ، وأسس هذا الاستهواء في نفسي شيئان : قراءة ما قرأته في مكتبة والدي ، ثم الدروس التي كان يلقيها علينا أستاذ التاريخ في الدارسة الابتدائية في المدرسة العلوية ( أديب التقي ) فقد كان إلى جانب إدارته للمدرسة يتولى فيها درس التاريخ ودرس الإنشاء - كما تقدم - وكان هو نفسه مؤلفا في التاريخ المدرسي ، مشبعا بالحس التاريخي العميق ، بارعا في إلقائه وترسيخه في الذهن ، فكان لهذين العاملين الأثر الكبير في ميولي التاريخية . وعند ما انتميت بعد ذلك إلى الجامعة السورية ، لم يكن لي بد من الانتماء إلى معهد الحقوق ، لأنه كان هو وحده الموجود - عدا معهد الطب والصيدلة - ولم يكن في الجامعة معهد للآداب والتاريخ ، ولو كان ذلك موجودا لانتميت حتما إلى معهد التاريخ ولما درست الحقوق . التردد في قبول الوظيفة ثم القبول عندما فوجئت بقرار تعييني مساعدا قضائيا لمحكمة النباطية الشرعية ، صممت لأول وهلة على الرفض تصورا مني أن هذه الوظيفة قد حددت مصيري غير المرضي مني ، ثم لم ألبث أن تارجحت بين القبول والرفض ، ذاك أن مجرد تصور الخروج من شقرا ومن حياة الضجر والقلق التي أعيشها فيها كان كافيا لرجوعي عن الرفض وميلي إلى القبول . ثم عاد التردد استقرارا على القبول ، مقتنعا أن هذه الوظيفة لن تسد أمامي باب المستقبل ، بل يمكن أن أجعل منها مفتاح ذلك المستقبل ، وهذا ما كان . ومن هنا أستطيع أن أقول أن تلك الوظيفة الصغيرة ذات الراتب القليل القليل ، وذات المركز الاجتماعي الهزيل ، والتي كنت أخجل بها أمام المعارف والأصحاب فاتوارى منهم . إن تلك الوظيفة هي التي أوصلتني إلى ما وصلت إليه ، وهي التي حققت لي المطمح الثقافي الكبير في إصدار ( دائرة المعارف الإسلامية الشيعية ) و ( الموسوعة الإسلامية ) ، والتحقيقات التاريخية التي شفيت بها الغليل من مزوري التاريخ والعابثين به . فلو لم أخرج تلك السنة من شقرا ، ثم أسعى لمتابعة الدراسة الثانوية ، ثم أؤدي امتحان الجامعة وأدخلها - كما سيأتي - ، لما علم غير الله أي مصير سئ كان يمكن أن أصير إليه . ففي السنة التالية لدخولي الجامعة ألغي امتحان الجامعة ، وصار على كل طالب لدخولها أن يحمل شهادة القسم الثاني من البكالوريا ، وهو ما كان من المستحيل أن أحققه . في النباطية كان قاضي المحكمة الشيخ محمد رضا الزين ، وهو إنسان دمث الأخلاق طيب الذات لطيف المعشر ، وكان لنا من قبل صديقا وفيا مخلصا ، فلم يكن من صعوبة في العمل معه ، وكان الراتب خمسا وعشرين ليرة ورقية ، وهو راتب زهيد لا يسد حتى الحاجات الضرورية ، لذلك كان علي أن أتكيف مع هذا الراتب ، مصمما على عدم الاستمرار في عملي إلا بمقدار ما أجد سبيلا للانطلاق في الميدان الذي أرغب فيه ، وكان هذا الميدان محصورا في متابعة الدراسة الثانوية للالتحاق بالجامعة . ولم يكن ذلك بالأمر السهل ، بل كان يبدو أن دونه خرط القتاد - كما يقول الأقدمون - إذ كان قد مضى على إنهاء دراستي الابتدائية سنوات انقطعت فيها عن متابعة الدراسة ، ولو أنني واصلتها لكنت الآن في نهاية الدراسة الثانوية ، فكيف لي أن أستدرك ما فاتني ، وهل من المعقول في هذه السن أن أبدأ الدراسة الثانوية في الصفوف مع الصغار ؟ ! . ثم أن هناك مشكلة كبرى كانت تبدو مستحيلة الحل ، هي ذات شقين : الأول وهو الأخطر ، أن اللغة الفرنسية صارت أساسا في نيل شهادة الدراسة الثانوية ( البكالوريا ) ، وليست اللغة وحدها هي المفروضة بل أدبها أيضا . وكانت كل معرفتي باللغة الفرنسية هو القليل الذي تلقيناه في الدراسة الابتدائية ، فكيف أنجح في نيل الشهادة الثانوية وأنا على هذا الجهل باللغة الفرنسية ، وكيف يتسنى لي دراسة اللغة وآدابها في فترة وجيزة ، وهب أن مدرسة قبلتني فهل من المعقول أن أستطيع متابعة الدراسة والنجاح في النهاية ؟ . والشق الثاني هو شق طريف كل الطرافة ، وهو أنني لست ذا ذهن رياضي بحيث أنه كان يشق علي جمع عددين أو ضربهما أو طرحهما ، فإذا كان من الممكن مثلا أن أجد في دراسة الدروس الأخرى ، وهو ما كنت مستعدا له كل الاستعداد ، وأن أنال فيها أعلى الدرجات ، فلم يكن ذلك ممكنا في دراسة الحساب والجبر ، لأن هذين الدرسين لا يجدي فيهما الجد ، ولا يفيد الانكباب ليلا نهارا على مطالعتهما ، لأنهما شيء لا يخضع للمطالعة والمتابعة ، بل للقابلية والموهبة ، وقابليتي وموهبتي فيهما عدم في عدم ! . . ولكن لا بد من تحصيل الشهادة الثانوية ودخول [ الحامعة ] الجامعة ! . فلنعلق الآمال على المجهول ولنتكل على الله لعله يجد لنا مخرجا . والواقع أن كل شيء كان ينفي وجود هذا المخرج ، وأن التفكير فيه كان ضربا من الأحلام التي لا يمكن أن يعتمد عليها الواقعيون العمليون ! . . ومضت الأيام في المحكمة الشرعية رتيبة ، وكان العمل فيها قليلا ، والدعاوي لا تشغل إلا حيزا ضيقا من الوقت ، وكنت أعمل أنا لا على أساس الاستمرار ، بل على أساس أنها أيام معدودة لا بد من تمضيتها قبل الوصول إلى الطريق المنشود . لذلك كان غريبا كل الغرابة عند الناس أن ينصرف موظف في حكومة نخضع للانتداب الفرنسي ، أن ينصرف إلى أعمال تتعارض مع هذا الانتداب وتقاومه ، فقد استطعنا تكتيل فريق من تلاميذ البلدة الذين كانوا يواصلون دراساتهم الثانوية في بيروت ، وكانوا كلهم تلاميذ مدرسة واحدة